الإحتجاج - الطبرسي، أبو منصور - الصفحة ٣٠ - احتجاج النبي ص على جماعة من المشركين
فَهَذَا مَلِكُ الرُّومِ وَ هَذَا مَلِكُ الْفُرْسِ- لَا يَبْعَثَانِ رَسُولًا إِلَّا كَثِيرَ الْمَالِ عَظِيمَ الْحَالِ لَهُ قُصُورٌ وَ دُورٌ وَ فَسَاطِيطُ وَ خِيَامٌ وَ عَبِيدٌ وَ خُدَّامٌ وَ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَوْقَ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ فَهُمْ عَبِيدُهُ وَ لَوْ كُنْتَ نَبِيّاً لَكَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يُصَدِّقُكَ وَ نُشَاهِدُهُ بَلْ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْنَا نَبِيّاً لَكَانَ إِنَّمَا يَبْعَثُ إِلَيْنَا مَلَكاً لَا بَشَراً مِثْلَنَا مَا أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً* وَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص هَلْ بَقِيَ مِنْ كَلَامِكَ شَيْءٌ؟
قَالَ بَلَى لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْنَا رَسُولًا لَبَعَثَ أَجَلَّ مَنْ فِيمَا بَيْنَنَا أَكْثَرَهُ مَالًا وَ أَحْسَنَهُ حَالًا فَهَلَّا أُنْزِلَ هَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ عَلَيْكَ وَ ابْتَعَثَكَ بِهِ رَسُولًا عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ إِمَّا الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِمَكَّةَ وَ إِمَّا عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ بِالطَّائِفِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص هَلْ بَقِيَ مِنْ كَلَامِكَ شَيْءٌ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟
فَقَالَ بَلَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً بِمَكَّةَ هَذِهِ فَإِنَّهَا ذَاتُ أَحْجَارٍ وَعِرَةٍ وَ جِبَالٍ تَكْسَحُ أَرْضَهَا[١] وَ تَحْفِرُهَا وَ تُجْرِي فِيهَا الْعُيُونَ فَإِنَّنَا إِلَى ذَلِكَ مُحْتَاجُونَ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ فَتَأْكُلَ مِنْهَا وَ تُطْعِمَنَا وَ تُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها خِلَالَ تِلْكَ النَّخِيلِ وَ الْأَعْنَابِ تَفْجِيراً- أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً[٢] فَإِنَّكَ قُلْتَ لَنَا وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ[٣] فَلَعَلَّنَا نَقُولُ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ قَبِيلًا تَأْتِيَ بِهِ وَ بِهِمْ وَ هُمْ لَنَا مُقَابِلُونَ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ تُعْطِينَا مِنْهُ وَ تُغْنِينَا بِهِ فَلَعَلَّنَا نَطْغَى وَ إِنَّكَ قُلْتَ لَنَا- كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى[٤] ثُمَّ قَالَ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ أَيْ تَصْعَدَ فِي السَّمَاءِ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ أَيْ لِصُعُودِكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ وَ مَنْ مَعَهُ بِأَنْ آمِنُوا بِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ رَسُولِي وَ صَدِّقُوهُ فِي مَقَالِهِ إِنَّهُ مِنْ عِنْدِي ثُمَّ لَا أَدْرِي يَا مُحَمَّدُ إِذَا فَعَلْتَ هَذَا كُلَّهُ أُومِنُ بِكَ أَوْ لَا أُومِنُ بِكَ بَلْ لَوْ رَفَعْتَنَا إِلَى السَّمَاءِ وَ فَتَحْتَ أَبْوَابَهَا وَ أَدْخَلْتَنَاهَا لَقُلْنَا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا[٥] وَ سَحَرْتَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَا عَبْدَ اللَّهِ أَ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِكَ قَالَ يَا مُحَمَّدُ أَ وَ لَيْسَ فِيمَا أَوْرَدْتُهُ عَلَيْكَ كِفَايَةٌ وَ بَلَاغٌ مَا بَقِيَ شَيْءٌ فَقُلْ مَا بَدَا لَكَ وَ أَفْصِحْ عَنْ نَفْسِكَ إِنْ كَانَ لَكَ حُجَّةٌ وَ ائْتِنَا بِمَا سَأَلْنَاكَ بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّامِعُ لِكُلِّ صَوْتٍ وَ الْعَالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ تَعْلَمُ مَا قَالَهُ عِبَادُكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَا مُحَمَّدُ وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ إِلَى قَوْلِهِ رَجُلًا مَسْحُوراً[٦] ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى- انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا[٧] ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً
[١] تكسح ارضها: تقشرها من التراب.
[٢] كسفا: قطعا قد ركب بعضها على بعض.
[٣] الطور: ٤٤، و المركوم: المتراكم الذي يجعل بعضه على بعض.
[٤] العلق: ٦- ٧.
[٥] سكرت أبصارنا: غطيت و غشيت عن النظر.
[٦] الفرقان: ٧- ٨.
[٧] الإسراء: ٤٨.