الإحتجاج - الطبرسي، أبو منصور - الصفحة ٢٠٧ - احتجاجه ع فيما يتعلق بتوحيد الله و تنزيهه عما لا يليق به من صفات المصنوعين من الجبر و التشبيه و الرؤية و المجي ء و الذهاب و التغيير و الزوال و الانتقال من حال إلى حال في أثناء خطبه و مجاري كلامه و مخاطباته و محاوراته
قَالَ الرَّاهِبُ أَنْتَ صَاحِبِي وَ رَبِّ عِيسَى أَخْبِرْنِي عَنْ شَيْءٍ لَيْسَ لِلَّهِ وَ لَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ لَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ قَالَ ع عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ أَمَّا قَوْلُكَ مَا لَيْسَ لِلَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ صَاحِبَةٌ وَ لَا وَلَدٌ وَ أَمَّا قَوْلُكَ وَ لَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَلَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ظُلْمٌ لِأَحَدٍ وَ أَمَّا قَوْلُكَ لَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ- فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ لَهُ شَرِيكاً فِي الْمُلْكِ فَقَامَ الرَّاهِبُ وَ قَطَعَ زُنَّارَهُ وَ أَخَذَ رَأْسَهُ وَ قَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ وَ أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ الْخَلِيفَةُ وَ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ مَعْدِنُ الدِّينِ وَ الْحِكْمَةِ وَ مَنْبَعُ عَيْنِ الْحُجَّةِ لَقَدْ قَرَأْتُ اسْمَكَ فِي التَّوْرَاةِ إِلْيَا وَ فِي الْإِنْجِيلِ إِيلِيَا وَ فِي الْقُرْآنِ عَلِيّاً وَ فِي الْكُتُبِ السَّابِقَةِ حَيْدَرَةَ وَ وَجَدْتُكَ بَعْدَ النَّبِيِّ وَصِيّاً وَ لِلْإِمَارَةِ وَلِيّاً وَ أَنْتَ أَحَقُّ بِهَذَا الْمَجْلِسِ مِنْ غَيْرِكَ فَأَخْبِرْنِي مَا شَأْنُكَ وَ شَأْنُ الْقَوْمِ؟
فَأَجَابَهُ بِشَيْءٍ فَقَامَ الرَّاهِبُ وَ سَلَّمَ الْمَالَ إِلَيْهِ بِأَجْمَعِهِ فَمَا بَرِحَ عَلِيٌّ ع مَكَانَهُ حَتَّى فَرَّقَهُ فِي مَسَاكِينِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ مَحَاوِيجِهِمْ وَ انْصَرَفَ الرَّاهِبُ إِلَى قَوْمِهِ مُسْلِماً.
وَ رُوِيَ أَنَّهُ اتَّصَلَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع أَنَّ قَوْماً مِنْ أَصْحَابِهِ خَاضُوا فِي التَّعْدِيلِ وَ التَّجْرِيحِ فَخَرَجَ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ خَلْقَهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونُوا عَلَى آدَابٍ رَفِيعَةٍ وَ أَخْلَاقٍ شَرِيفَةٍ- فَعَلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ إِلَّا بِأَنْ يُعَرِّفَهُمْ مَا لَهُمْ وَ مَا عَلَيْهِمْ وَ التَّعْرِيفُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْأَمْرِ وَ النَّهْيِ وَ الْأَمْرُ وَ النَّهْيُ لَا يَجْتَمِعَانِ إِلَّا بِالْوَعْدِ وَ الْوَعِيدِ وَ الْوَعْدُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتَّرْغِيبِ وَ الْوَعِيدُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتَّرْهِيبِ وَ التَّرْغِيبُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَا تَشْتَهِيهِ أَنْفُسُهُمْ وَ تَلَذُّ أَعْيُنُهُمْ وَ التَّرْهِيبُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِضِدِّ ذَلِكَ ثُمَّ خَلَقَهُمْ فِي دَارِهِ وَ أَرَاهُمْ طَرَفاً مِنَ اللَّذَّاتِ لِيَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلَى مَا وَرَاءَهُمْ مِنَ اللَّذَّاتِ الْخَالِصَةِ الَّتِي لَا يَشُوبُهَا أَلَمٌ أَلَا وَ هِيَ الْجَنَّةُ وَ أَرَاهُمْ طَرَفاً مِنَ الْآلَامِ لِيَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلَى مَا وَرَاءَهُمْ مِنَ الْآلَامِ الْخَالِصَةِ الَّتِي لَا يَشُوبُهَا لَذَّةٌ أَلَا وَ هِيَ النَّارُ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ تَرَوْنَ نَعِيمَ الدُّنْيَا مَخْلُوطاً بِمِحَنِهَا وَ سُرُورَهَا مَمْزُوجاً بِكَدِرِهَا وَ هُمُومِهَا قِيلَ فَحُدِّثَ الْجَاحِظُ[١] بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ هُوَ جِمَاعُ الْكَلَامِ الَّذِي دَوَّنَهُ النَّاسُ فِي كُتُبِهِمْ وَ تحاوره [تَحَاوَرُوهُ] بَيْنَهُمْ-
[١] الجاحظ: أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب اللّيثي البصري اللغوي النحوي كان من غلمان النظام، و كان مائلا إلى النصب و العثمانية، و له كتب منها:« العثمانية» التي نقض عليها أبو جعفر الإسكافيّ، و الشيخ المفيد، و السيّد أحمد بن طاوس، و طال عمره و أصابه الفالج في آخر عمره و مات في البصرة سنة ٢٥٥. الكنى و الألقاب ج ٢ ص ١٢١.