الإحتجاج - الطبرسي، أبو منصور - الصفحة ٢٠٣ - احتجاجه ع فيما يتعلق بتوحيد الله و تنزيهه عما لا يليق به من صفات المصنوعين من الجبر و التشبيه و الرؤية و المجي ء و الذهاب و التغيير و الزوال و الانتقال من حال إلى حال في أثناء خطبه و مجاري كلامه و مخاطباته و محاوراته
وَ يَسْمَعُ لَا بِخُرُوقٍ وَ أَدَوَاتٍ يَقُولُ وَ لَا يَلْفِظُ وَ يَحْفَظُ وَ لَا يَتَحَفَّظُ وَ يُرِيدُ وَ لَا يُضْمِرُ يُحِبُّ وَ يَرْضَى مِنْ غَيْرِ رِقَّةٍ وَ يُبْغِضُ وَ يَغْضَبُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ يَقُولُ لِمَا أَرَادَ كَوْنَهُ كُنْ فَيَكُونُ* لَا بِصَوْتٍ يَقْرَعُ وَ لَا نِدَاءٍ يُسْمَعُ وَ إِنَّمَا كَلَامُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ- وَ مَثَّلَهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ كَائِناً وَ لَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلَهاً ثَانِياً[١] وَ لَا يُقَالُ لَهُ كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَتَجْرِيَ عَلَيْهِ صِفَاتُ الْمُحْدَثَاتِ وَ لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهَا فَصْلٌ وَ لَا لَهُ عَلَيْهَا فَضْلٌ فَيَسْتَوِيَ الصَّانِعُ وَ الْمَصْنُوعُ وَ يَتَكَافَأَ الْمُبْتَدَعُ وَ الْبَدِيعُ[٢] خَلَقَ الْخَلَائِقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلَا مِنْ غَيْرِهِ[٣] وَ لَمْ يَسْتَعِنْ عَلَى خَلْقِهَا بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ أَنْشَأَ الْأَرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ وَ أَرْسَاهَا عَلَى غَيْرِ قَرَارٍ[٤] وَ أَقَامَهَا بِغَيْرِ قَوَائِمَ وَ رَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ وَ حَصَّنَهَا مِنَ الْأَوَدِ وَ الِاعْوِجَاجِ وَ مَنَعَهَا مِنَ التَّهَافُتِ وَ الِانْفِرَاجِ[٥] أَرْسَى أَوْتَادَهَا وَ ضَرَبَ أَسْدَادَهَا وَ اسْتَفَاضَ عُيُونَهَا وَ خَدَّ أَوْدِيَتَهَا[٦] فَلَمْ يَهِنْ مَا بَنَاهُ وَ لَا ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهَا بِسُلْطَانِهِ وَ عَظَمَتِهِ وَ الْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ وَ مَعْرِفَتِهِ وَ الْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا بِجَلَالَتِهِ وَ عِزَّتِهِ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ وَ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فَيَغْلِبَهُ وَ لَا يَفُوتُهُ السَّرِيعُ مِنْهَا فَيَسْبِقَهُ وَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِي مَالٍ فَيَرْزُقَهُ- خَضَعَتِ الْأَشْيَاءُ لَهُ وَ ظَلَّتْ مُسْتَكِينَةً لِعَظَمَتِهِ[٧] لَا تَسْتَطِيعُ الْهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَتَمْتَنِعَ مِنْ نَفْعِهِ وَ ضَرِّهِ وَ لَا كُفْءَ لَهُ فَيُكَافِئَهُ[٨] وَ لَا نَظِيرَ لَهُ فَيُسَاوِيَهُ هُوَ الْمُفْنِي لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا حَتَّى يَصِيرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا وَ لَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْشَائِهَا وَ اخْتِرَاعِهَا وَ كَيْفَ وَ لَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوَانِهَا مِنْ طَيْرِهَا وَ بَهَائِمِهَا وَ مَا كَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وَ سَائِمِهَا وَ أَصْنَافِ أَشْبَاحِهَا وَ أَجْنَاسِهَا وَ متلبدة [مُتَبَلِّدَةِ] أُمَمِهَا وَ أَكْيَاسِهَا[٩] عَلَى إِحْدَاثِ بَعُوضَةٍ مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَاثِهَا وَ لَا عَرَفَتْ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى إِيجَادِهَا وَ لَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا فِي عِلْمِ ذَلِكَ وَ تَاهَتْ وَ عَجَزَتْ قُوَاهَا وَ تَنَاهَتْ وَ رَجَعَتْ خَاسِئَةً حَسِيرَةً[١٠] عَارِفَةً بِأَنَّهَا مَقْهُورَةٌ مُقِرَّةً بِالْعَجْزِ عَنْ إِنْشَائِهَا- مُذْعِنَةً بِالضَّعْفِ عَنْ إِفْنَائِهَا-
[١] يحفظ عباده و يحرسهم، و لا يتحرز و لا يخاف و يبغض و يغضب و لا يستلزم بغضه و غضبه مشقة و انزعاجا، كما هو الحال بالنسبة لنا ممّا يستلزمانه فينا من فوران دم القلب و اضطرابه. يقول- لما أراد كونه-: كن فيكون، و ليس المراد بالقول هو التكلم الحقيقي حتى يكون له صوت يقرع الآذان فيسمع و إنّما كلامه سبحانه هو نفس فعله، و خلقه للأشياء و تصويرها ينشؤه و يمثله لجبرئيل في اللوح و ليس هو بقديم و لو كان قديما لكان إلها ثانيا.
[٢] في بعض النسخ:« الصفات المحدثات».
[٣] خلا: أي مضى.
[٤] أرساها: أثبتها على غير قرار.
[٥] الأود- بالتحريك- الاعوجاج و التهافت: التساقط قطعة قطعة.
[٦] الأسداد- جمع السد- بمعنى الجبل أو الحاجز و بالضم بمعنى السحاب الأسود. و خذ: بمعنى شق.
[٧] الاستكانة: الخضوع.
[٨] أي: يساويه في وجوب الوجود.
[٩] المتلبدة: ذو البلادة ضد الأكياس.
[١٠] الخاسئ الذليل الصاغر. و الحسير: الكلل المعيي.