الإحتجاج - الطبرسي، أبو منصور - الصفحة ١٩٣ - احتجاجه ع في الاعتذار من قعوده عن قتال من تآمر عليه من الأولين و قيامه إلى قتال من بغى عليه من الناكثين و القاسطين و المارقين
فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ- إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ وَ إِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ[١] فَمُنِيَ النَّاسُ لَعَمْرُ اللَّهِ بِخَبْطٍ وَ شِمَاسٍ وَ تَلَوُّنٍ وَ اعْتِرَاضٍ[٢] فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ وَ شِدَّةِ الْمِحْنَةِ حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ فَجَعَلَهَا شُورَى فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ[٣] فَيَا لَلَّهِ وَ لِلشُّورَى مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ لَكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا وَ طِرْتُ إِذْ طَارُوا[٤] فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمِحْنَةِ وَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ- فَمَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ وَ صَغَا الْآخَرُ لِصِهْرِهِ مَعَ هَنٍ وَ هَنٍ[٥] إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَ مُعْتَلَفِهِ[٦] وَ قَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللَّهِ خَضْمَ الْإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ-[٧] إِلَى
[١] الصعبة من الإبل: الغير المذللة. و أشنق لها بالزّمام: إذا جذبه إلى نفسه و هو راكب ليمسكها عن الحركة العنيفة و الخرم الشق و أسلس لها: أرخى لها و تقحم في الأمر: ألقى نفسه فيه بقوة. فصاحبها أي: صاحب تلك الطّباع الخشنة مثله. و هو يتولّى شئون الرعية و تدبير أمورهم- كمثل راكب الناقة الصّعبة التي لم تذلل، فهو بين خطرين: إن جذبها إليه شق أنفها، و إن أرخى لها القياد ألقت به في المهالك، و الناقة الصعبة أراد الرعية لأنّها لم تألفه و تنفر من طباعه فلا تستقيم له بحال، أو هي صاحب تلك الطّباع، و حينئذ يكون المقصود من قوله( ع) إن أشنق لها خرم، و إن أسلس لها تقحم، أنّ الذي يريد إصلاح صاحب تلك الطباع واقع بين خطرين فان أنكر عليه عمله وقع الانشقاق و الاختلاف بينهما، و إن تركه و شأنه أدى به الأمر إلى الإخلال بالواجب.
و وجه ثالث: يمكن أن يكون المقصود بالناقة الخلافة، فإذا استرجعها بالقوة شقّ عصا المسلمين و أوقع الخلاف في صفوفهم مما يؤدي بالنتيجة إلى الردة، و إن تركها و سكت عنها، سارت في غير اتجاهها فهو منها بين خطرين.
[٢] مني الناس: ابتلوا. و الخبط الحركة على غير استقامة، و الشماس- بكسر- الشين- كثرة النفار و الاضطراب. و التلون:
اختلاف الأحوال و الاعتراض ضرب من التلون و أصله المشي في عرض الطريق.
[٣] خلاصة حديث الشورى: أنّ عمر بن الخطّاب لما طعنه أبو لؤلؤة و أيقن بالموت دعا وجوه الصحابة، و عرض عليهم موضوع الخلافة، و اشير فيما اشير عليه بابنه عبد اللّه فقال. لا، لا يليها رجلان من ولد الخطاب حسب عمر ما حمل، حسب عمر ما احتقب! لا أتحملها حيّا و ميتا، ثمّ قال: إنّ رسول اللّه مات و هو راض عن هذه الستة« عليّ، و عثمان، و طلحة، و الزبير، و سعد بن أبي وقاص، و عبد الرحمن بن عوف» فأما سعد فلا يمنعني منه إلّا عنفه و فضاضته، و أمّا من عبد الرحمن فلأنّه قارون هذه الأمة و أمّا من طلحة فتكبره و نخوته، و أمّا من الزبير فحشه، و لقد رأيته بالبقيع يقاتل على صاع من شعير، و لا يصلح لهذا الأمر إلّا رجل واسع الصدر و أمّا من عثمان فحبه لقومه و عصبيته لهم، و أمّا من علي فحرصه على هذا الأمر و دعابة فيه. ثم قال: يصلي صهيب بالناس ثلاثة أيام، و تخلوا الستة نفر في البيت ثلاثة أيّام ليتفقوا على رجل منهم، فان استقام أمر خمسة و أبى رجل فاقتلوه، و إن استقر أمر ثلاثة و أبى ثلاثة فكونوا مع الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف.
[٤] أسفّ الطائر: إذا دنا من الأرض في طيرانه.
[٥] صغا: مال بسمعه إليه. و الضغن: الحقد. و الهن: على وزن أخ كناية عن شيء قبيح الذي مال لحقده هو: سعد بن أبي وقاص. و الذي مال لصهره عبد الرحمن بن عوف حيث مال إلى عثمان لمصاهرة بينهما.
روى الشيخ المفيد في الإرشاد عن جيش الكناني قال: لما صفق عبد الرحمن على يد عثمان بالبيعة في يوم الدار قال له أمير المؤمنين( ع): حركك الصهر و بعثك على ما صنعت، و اللّه ما أمّلت منه الا ما أمل صاحبك من صاحبه، دق اللّه بينكما عطر منشم- و عطر منشم هو عطر صعب الدق و المراد به هنا الموت- و هكذا كان فقد بلغ الحال في الخلاف بينهما أن أعلن عثمان تحريم مجالسة عبد الرحمن، و وجوب نبذه، و أبرأ الذمّة ممن يكلمه أو يعاطيه معاطاة أي مواطن يتمتع بحقوقه الاجتماعية.
[٦] النفج: النفخ. و النثيل: الروث. و المعتلف: موضع الاعتلاف.
[٧] الخضم: الأكل بجميع الفم و قيل: المضغ بأقصى الأضراس.
قال ابن أبي الحديد- في شرحه على النهج ج ١ ص ٦٦-:
و صحت فيه فراسة عمر بن الخطّاب، اذ قد أوطأ بني أميّة رقاب الناس، و أولاهم الولايات و اقطعهم القطائع، و افتتحت ارمينيا في أيّامه، فاخذ الخمس كله فوهبه لمروان إلى أن قال: و طلب منه عبد اللّه بن خالد بن أسيد صلة فأعطاه اربعمائة ألف درهم و اعاد الحكم بن أبي العاص بعد ان سيره يسور اللّه( ص) ثم لم يرده أبو بكر و لا عمر، و أعطاه مائة ألف درهم و تصدّق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بموضع سوق بالمدينة يعرف« بنهروز» على المسلمين، فاقطعه عثمان الحارث بن-- الحكم اخا مروان بن الحكم، و اقطع مروان فدكا و قد كانت فاطمة طلبتها بعد وفاة أبيها رسول اللّه تارة بالميراث، و تارة بالنحلة، فدفعت عنها إلى آخر ما ذكره ابن أبي الحديد فاليراجع و عمل الحجة الأميني في ج ٩ من كتاب الغدير قائمة بمصر وفاته على قومه و ذوبه فالتراجع أيضا.