الإحتجاج - الطبرسي، أبو منصور - الصفحة ١٩٢ - احتجاجه ع في الاعتذار من قعوده عن قتال من تآمر عليه من الأولين و قيامه إلى قتال من بغى عليه من الناكثين و القاسطين و المارقين
مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ[١] فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى-[٢] فَصَبَرْتُ وَ فِي الْعَيْنِ قَذًى وَ فِي الْحَلْقِ شَجًا[٣] أَرَى تُرَاثِي نَهْباً[٤] حَتَّى إِذَا مَضَى الْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ فَأَدْلَى بِهَا إِلَى عُمَرَ مِنْ بَعْدِهِ فَيَا عَجَباً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ[٥] لِشَدِّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا[٦] ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الْأَعْشَى[٧]
|
شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا |
وَ يَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرٍ |
|
- فَصَيَّرَهَا فِي نَاحِيَةٍ خَشْنَاءَ يَجْفُو مَسُّهَا وَ يَغْلُظُ كَلْمُهَا[٨] وَ يَكْثُرُ الْعِثَارُ فِيهَا وَ الِاعْتِذَارُ مِنْهَا-[٩]
[١] الهرم: شدة كبر السن و الكدح: سعى المجهود.
و تلك الشدة، و ذلك الاضطراب، و هاتيك الأحوال المظلمة و طول مدتها ادت الى أن: يهرم فيها الكبير، و يشيب الصغير، و يتعب المؤمن في تمييز الحقائق و تمحيصها و ما يبذله من جهد في سبيل الدفاع عن الحق حتّى يلقى ربّه.
[٢] هاتا: هذه و احجى: اقرب للحجى و هو العقل
فرأيت الصبر على هذه الحال و ترك المقاومة اقرب للعقل، و الصق بنظام الإسلام و احفظ لبيضته سيما و هو بعد غض لم ترسخ له قدم في نفوس اتباعه، و الثورة في هذه الحال ربما تؤدي الى خلاف الغرض، و تعكس النتيجة، و ستكون سببا للردة، و الرجوع عن الدين، فترك المقاومة احجى و اضمن لسلامة الإسلام، و تحمل الشر الحادث من جراء ذلك اهون.
[٣] القذى: الرمد. و الشجا: ما اعترض في الحلق من عظم و نحوه.
أي صبرت و لكن على مضض كما يصبر الأرمد و هو يحس بوجع العين، و كما يصبر من غص بشيء فهو يكابد الخنق.
[٤] يريد بتراثه: الخلافة.
[٥] ادلى بها: القى بها إليه. و الاقالة: فك العهد و الاستقالة: طلب ذلك.
أشار بقوله( ع):« يستقيلها» الى قول أبي بكر:« اقيلوني لست بخيركم».
[٦] شد الأمر: صعب و عظم. و تشطرا: اقتسما و الضرع للحيوانات- مثل الثدي للمرأة.
[٧] هو اعشى قيس و اسمه ميمون بن جندل من بني قيس من قصيدة أولها:
\sُ علقم ما أنت الى عامر\z الناقص الأوتار و الواتر.\z\E
[٨] الكلم: الجرح
كنى عن طباع عمر بن الخطّاب« بالناحية الخشناء» لأنّه كان يوصف بالجفاوة و سرعة الغضب، و غلظ الكلام، حتى روى انه امر أن يؤتى بامرأة لحال اقتضت ذلك- و كانت حاملا- فلما دخلت عليه اجهزت جنينا لما شاهدته من غلظ طبيعة أبي حفص و ظهور القوّة الغضبية على قسمات وجهه و شدته في الكلام، و ذلك ما اراده أمير المؤمنين من قوله:« في ناحية خشناء» ثم انه( ع) وصف تلك الطبيعة بوصفين:
أحدهما: غلظ المواجهة بالكلام و قد قيل: جرح اللسان أشدّ من وخز السّنان.
و ثانيهما: جفاوة المس المانعة من ميل الطّباع إليه.
[٩] عثر: إذا أصابت رجله حجرا و نحوه.
فيه إشارة إلى ما كان عليه عمر بن الخطّاب من التسرع في إصدار الأحكام غير الصائبة كأمره برجم المرأة الحامل و طلاق الحائض، و غيرها من الأمور التي كانت تدعوه للاعتذار بعد أن يتبين له الخطأ بارشاد أمير المؤمنين( ع)، و قد تكرر قوله:« لو لا عليّ لهلك عمر» و« لا كنت لمعضلة ليس لها أبو الحسن» و« لا عشت لمعضلة لا تكون لها يا أبا الحسن».