الإحتجاج - الطبرسي، أبو منصور - الصفحة ٢٠٠ - احتجاجه ع فيما يتعلق بتوحيد الله و تنزيهه عما لا يليق به من صفات المصنوعين من الجبر و التشبيه و الرؤية و المجي ء و الذهاب و التغيير و الزوال و الانتقال من حال إلى حال في أثناء خطبه و مجاري كلامه و مخاطباته و محاوراته
فَاعِلٌ لَا بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ وَ الْآلَةِ بَصِيرٌ إِذْ لَا مَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ مُتَوَحِّدٌ إِذْ لَا سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بِهِ وَ لَا يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ[١] أَنْشَأَ الْخَلْقَ إِنْشَاءً وَ ابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً بِلَا رَوِيَّةٍ أَجَالَهَا وَ لَا تَجْرِبَةٍ اسْتَفَادَهَا وَ لَا حَرَكَةٍ أَحْدَثَهَا وَ لَا هَمَامَةِ نَفْسٍ اضْطَرَبَ فِيهَا أَحَالَ الْأَشْيَاءَ لِأَوْقَاتِهَا وَ لَاءَمَ بَيْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا وَ غَرَّزَ غَرَائِزَهَا وَ أَلْزَمَهَا أَشْبَاحَهَا عَالِماً بِهَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا مُحِيطاً بِحُدُودِهَا وَ انْتِهَائِهَا عَارِفاً بِقَرَائِنِهَا وَ أَحْنَائِهَا-[٢].
وَ قَالَ ع فِي خُطْبَةٍ أُخْرَى:[٣] أَوَّلُ عِبَادَةِ اللَّهِ مَعْرِفَتُهُ وَ أَصْلُ مَعْرِفَتِهِ تَوْحِيدُهُ- وَ نِظَامُ تَوْحِيدِهِ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ جَلَّ أَنْ تَحُلَّهُ الصِّفَاتُ بِشَهَادَةِ الْعُقُولِ أَنَّ كُلَّ مَنْ حَلَّتْهُ الصِّفَاتُ فَهُوَ مَصْنُوعٌ وَ شَهَادَةِ الْعُقُولِ أَنَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ صَانِعٌ لَيْسَ بِمَصْنُوعٍ بِصُنْعِ اللَّهِ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ وَ بِالْعُقُولِ يُعْتَقَدُ مَعْرِفَتُهُ وَ بِالْفِكْرِ تَثْبُتُ حُجَّتُهُ جَعَلَ الْخَلْقَ دَلِيلًا عَلَيْهِ فَكَشَفَ بِهِ رُبُوبِيَّتَهُ هُوَ الْوَاحِدُ الْفَرْدُ فِي أَزَلِيَّتِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي إِلَهِيَّتِهِ وَ لَا نِدَّ لَهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الْمُتَضَادَّةِ عُلِمَ أَنْ لَا ضِدَّ لَهُ وَ بِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الْأُمُورِ الْمُقْتَرِنَةِ عُلِمَ أَنْ لَا قَرِينَ لَهُ-
[١] حدث الشيء: تجدد وجوده. و المزايلة: المفارقة. و السكن- بفتحتين-: ما يسكن إليه من أهل و مال.
هذه الفقرات كل منها مركبة من قضيتين، إحداهما موجبة، و الأخرى، سالبة، و الفرق بين الفقرتين الأوليتين« كائن لا عن حدث» و« موجود لا عن عدم» اذ يبدو ان معناهما واحد في نفيهما تجدد الوجود، هو: أنّ الفقرة الأولى تنفي تجدد الحدوث الزماني يعني أنه كائن منذ الأزل، و الثانية تنفي التجدد الذاتي و تثبت وجوب وجوده« مع كلّ شيء لا بمقارنة» كما أنه« غير كل شيء» و لكن« لا بمزايلة» و مفارقة، فالمقارنة و المفارقة من الصفات الجسمانية و ذاته المقدّسة منزهة عن الجسمانيات فهو مع كل شيء بمعنى أنّه عالم بكل شيء محيط به، شاهد عليه، غير غائب عنه، و لكن هذه المعية و تلك الغيرية ليست كما هي بالنسبة لنا من المقارنة و المفارقة التي هي من خصائص الجسمية و لوازمها، و ذاته المجردة لا تشبه شيئا من ذوات الموجودات الممكنة فهو« فاعل» و لكن« لا بمعنى الحركات و الآلة» و من ضيق الألفاظ نعبر عن صفاته القدسية بهذه الألفاظ المتعارفة بيننا، و التي نطلقها عليه كما نطلقها على سائر الممكنات، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا،« بصير» منذ الأزل« إذ لا منظور إليه من خلقه»« متوحد» في سلطانه و ملكوته« إذ لا سكن يستأنس به» و( لا) أنيس( يستوحش لفقده) فالوحشة و الانس من لوازم الطبيعة الحيوانية، و هو منزه عنها.
[٢] نشأ الشيء: حدث و تجدد. و الابتداء: بمعنى الإنشاء، و الروية: الفكر و التدبر، و أجال به: إذا أداره، و التجربة:
الاختبار. و الهمامة: التردد. و أحال الأشياء: صرفها و حولها، و لائم: أصلح. و الغريزة: الطبيعة- و الأشباح: الأشخاص و الإحاطة:
الاستدارة و الشمول. و الأحناء- جمع الحنو-: الجانب و الناحية.( أنشأ الخلق إنشاء) من غير مادة( و ابتدأهم) ابتداء من دون مثال سبق( بلا روية أجالها) و لا فكر أداره( و لا تجربة استفادها) و لا خبرة اكتسبها من قبل( و لا أحدثها) كالحركة الحادثة لنا إذا أردنا فعل شيء ما( و لا همامة نفس اضطراب فيها) كما تتردد نفوسنا و تضطرب فكل هذه الأمور من لوازم الجسمية تقدست ذاته عنها( أحال الأشياء) و نقلها و صرفها حسب مقتضيات الحكمة و المصلحة( لأوقاتها) للقضاء و القدر و أصلح( و لائم بين) ما كان من عالم الغيب، كالأرواح المجردة، و ما كان من عالم الشهود كالأجسام المركبة، و غير ذلك من( مختلفاتها) كتوفيقه في سائر العناصر( و غرّز) للأشياء( غرائزها) ثم خص كل جنس او نوع بغرائزه الخاصّة به( و ألزمها أشباحها) و أشخاصها( عالما بها قبل ابتدائها) كما هو عالم بها بعد إيجادها من غير فرق بين الحالين( محيطا بحدودها و انتهائها) شاملا بقدرته و علمه جميع أطرافها.
[٣] ارشاد الشيخ المفيد( قده) أبو الحسن الهذلي عن الزهري و عيسى بن زيد عن صالح بن كيسان عن أمير المؤمنين( ع) قال- في الحث على معرفة اللّه-: أول عبادة اللّه معرفته ... الخ.