الإحتجاج - الطبرسي، أبو منصور - الصفحة ٢٤ - فصل في ذكر طرف مما جاء عن النبي ص من الجدال و المحاربة و المناظرة و ما يجري مجرى ذلك مع من خالف الإسلام و غيرهم
لِلْإِنْصَافِ يَهْدِكُمُ اللَّهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّصَارَى فَقَالَ لَهُمْ وَ أَنْتُمْ قُلْتُمْ إِنَّ الْقَدِيمَ عَزَّ وَ جَلَّ اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ ابْنِهِ فَمَا الَّذِي أَرَدْتُمُوهُ بِهَذَا الْقَوْلِ أَرَدْتُمْ أَنَّ الْقَدِيمَ صَارَ مُحْدَثاً لِوُجُودِ هَذَا الْمُحْدَثِ الَّذِي هُوَ عِيسَى أَوِ الْمُحْدَثَ الَّذِي هُوَ عِيسَى صَارَ قَدِيماً كَوُجُودِ الْقَدِيمِ الَّذِي هُوَ اللَّهُ أَوْ مَعْنَى قَوْلِكُمْ إِنَّهُ اتَّحَدَ بِهِ أَنَّهُ اخْتَصَّهُ بِكَرَامَةٍ لَمْ يُكْرِمْ بِهَا أَحَداً سِوَاهُ فَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ الْقَدِيمَ صَارَ مُحْدَثاً فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ لِأَنَّ الْقَدِيمَ مُحَالٌ أَنْ يَنْقَلِبَ فَيَصِيرَ مُحْدَثاً وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ الْمُحْدَثَ صَارَ قَدِيماً فَقَدْ أَحَلْتُمْ لِأَنَّ الْمُحْدَثَ أَيْضاً مُحَالٌ أَنْ يَصِيرَ قَدِيماً وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّهُ اتَّحَدَ بِهِ بِأَنَّهُ اخْتَصَّهُ وَ اصْطَفَاهُ عَلَى سَائِرِ عِبَادِهِ فَقَدْ أَقْرَرْتُمْ بِحُدُوثِ عِيسَى وَ بِحُدُوثِ الْمَعْنَى الَّذِي اتَّحَدَ بِهِ مِنْ أَجْلِهِ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عِيسَى مُحْدَثاً وَ كَانَ اللَّهُ اتَّحَدَ بِهِ بِأَنْ أَحْدَثَ بِهِ مَعْنًى صَارَ بِهِ أَكْرَمَ الْخَلْقِ عِنْدَهُ فَقَدْ صَارَ عِيسَى وَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مُحْدَثَيْنِ وَ هَذَا خِلَافُ مَا بَدَأْتُمْ تَقُولُونَهُ فَقَالَتِ النَّصَارَى يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا أَظْهَرَ عَلَى يَدِ عِيسَى مِنَ الْأَشْيَاءِ الْعَجِيبَةِ مَا أَظْهَرَ فَقَدِ اتَّخَذَهُ وَلَداً عَلَى جِهَةِ الْكَرَامَةِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ص فَقَدْ سَمِعْتُمْ مَا قُلْتُهُ لِلْيَهُودِ فِي هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ ثُمَّ أَعَادَ ص ذَلِكَ كُلَّهُ فَسَكَتُوا إِلَّا رَجُلًا وَاحِداً مِنْهُمْ فَقَالَ لَهُ يَا مُحَمَّدُ أَ وَ لَسْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ؟ قَالَ قَدْ قُلْنَا ذَلِكَ قَالَ فَإِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ فَلِمَ مَنَعْتُمُونَا مِنْ أَنْ نَقُولَ إِنَّ عِيسَى ابْنُ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّهُمَا لَنْ يَشْتَبِهَا لِأَنَّ قَوْلَنَا إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ فَإِنَّمَا هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْخَلَّةِ وَ الْخَلَّةُ إِنَّمَا مَعْنَاهَا الْفَقْرُ وَ الْفَاقَةُ فَقَدْ كَانَ خَلِيلًا إِلَى رَبِّهِ فَقِيراً وَ إِلَيْهِ مُنْقَطِعاً- وَ عَنْ غَيْرِهِ مُتَعَفِّفاً مُعْرِضاً مُسْتَغْنِياً وَ ذَلِكَ لَمَّا أُرِيدَ قَذْفُهُ فِي النَّارِ فَرُمِيَ بِهِ فِي الْمَنْجَنِيقِ فَبَعَثَ اللَّهُ جَبْرَئِيلَ فَقَالَ لَهُ أَدْرِكْ عَبْدِي فَجَاءَ فَلَقِيَهُ فِي الْهَوَاءِ فَقَالَ لَهُ كَلِّفْنِي مَا بَدَا لَكَ فَقَدْ بَعَثَنِيَ اللَّهُ لِنُصْرَتِكَ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ حَسْبِيَ اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ إِنِّي لَا أَسْأَلُ غَيْرَهُ وَ لَا حَاجَةَ لِي إِلَّا إِلَيْهِ فَسَمَّاهُ خَلِيلَهُ أَيْ فَقِيرَهُ وَ مُحْتَاجَهُ وَ الْمُنْقَطِعَ إِلَيْهِ عَمَّنْ سِوَاهُ وَ إِذَا جُعِلَ مَعْنَى ذَلِكَ مِنَ الْخَلَّةِ وَ هُوَ أَنَّهُ قَدْ تَخَلَّلَ مَعَانِيَهُ وَ وَقَفَ عَلَى أَسْرَارٍ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهَا غَيْرُهُ كَانَ الْخَلِيلُ مَعْنَاهُ الْعَالِمَ بِهِ وَ بِأُمُورِهِ وَ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ تَشْبِيهَ اللَّهِ بِخَلْقِهِ أَ لَا تَرَوْنَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَنْقَطِعْ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ خَلِيلَهُ وَ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِأَسْرَارِهِ لَمْ يَكُنْ خَلِيلَهُ وَ إِنَّ مَنْ يَلِدُهُ الرَّجُلُ وَ إِنْ أَهَانَهُ وَ أَقْصَاهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ أَنْ يَكُونَ وَلَدَهُ لِأَنَّ مَعْنَى الْوِلَادَةِ قَائِمٌ بِهِ ثُمَّ إِنْ وَجَبَ لِأَنَّهُ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِي أَنْ تَقِيسُوا أَنْتُمْ فَتَقُولُوا بِأَنَّ عِيسَى ابْنُهُ وَجَبَ أَيْضاً كَذَلِكَ أَنْ تَقُولُوا لِمُوسَى إِنَّهُ ابْنُهُ فَإِنَّ الَّذِي مَعَهُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ لَمْ يَكُنْ بِدُونِ مَا كَانَ مَعَ عِيسَى فَقُولُوا إِنَّ مُوسَى أَيْضاً ابْنُهُ وَ أن [إِنَّهُ] يَجُوزُ أَنْ تَقُولُوا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى إِنَّهُ شَيْخُهُ وَ سَيِّدُهُ وَ عَمُّهُ وَ رَئِيسُهُ وَ أَمِيرُهُ كَمَا قَدْ ذَكَرْتُهُ لِلْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ- وَ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ أَنَّ عِيسَى قَالَ أَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَ أَبِيكُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص فَإِنْ كُنْتُمْ بِذَلِكَ الْكِتَابِ تَعْلَمُونَ فَإِنَّ فِيهِ أَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَ أَبِيكُمْ فَقُولُوا إِنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ عِيسَى كَانُوا أَبْنَاءَ اللَّهِ كَمَا كَانَ عِيسَى ابْنَهُ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ عِيسَى ابْنَهُ ثُمَّ إِنَّ فِي هَذَا الْكِتَابِ مُبْطِلٌ عَلَيْكُمْ هَذَا الَّذِي زَعَمْتُمْ أَنَّ عِيسَى مِنْ وِجْهَةِ الِاخْتِصَاصِ كَانَ ابْناً لَهُ لِأَنَّكُمْ قُلْتُمْ إِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ ابْنُهُ لِأَنَّهُ اخْتَصَّهُ