فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٣١ - حكم القاضي بعلمه آية اللّه السيّد محمود الهاشمي
وفي معتبرة أبي بصير ـ بنقل الكليني (قدس سره) ـ عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « الحكم حكمان : حـكم اللّه عزّوجلّ ، وحـكم أهـل الجاهلية ، وقـد قال اللّه عزّوجلّ : {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } وأشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية» (٣٢)وكان قد حكم زيد بالعول والتعصيب وغيرها اجتهاداً وعملاً برأيه واتّباعاً لعمر وخلافاً على أمير المؤمنين (عليه السلام) .
وثانيـاً : لو تنزّلنا عمّا سبق مع ذلك هناك إشكال آخر على الاستدلال بهذه الآيات وحاصله : إنّ المأخوذ في موضوع الأمر في هذه الآيات هو الحكم بما أنزل اللّه ، وهذا العنوان عامّ يشمل ما يشرّعه اللّه في كيفيّة القضاء أيضاً ، فلو فرض احتمال أن يكون الميزان في جواز القضاء خصوص البيّنة واليمين مثلاً وأنّ العلم الشخصي للقاضي ليس حجّة قضائية لم يصحّ التمسّك بهذه الآيات ؛ لأنّه من الشكّ فيما فرضه اللّه وأنزله في القضاء ، فيكون تمسّكاً بالعام في الشبهة المصداقية له ؛ ففرق بين أن يقال : احكم بالواقع والحقّ ، أو أن يقال : احكم بما أنزل اللّه ، فإنّ الثاني يشمل جميع ما أنزل اللّه حتى في نفس القضاء وكيفيّته ، ولا يختصّ بخصوص الحكم الواقعي المجعول على الموضوع المترافع فيه ، لكي يدلّ بالملازمة على جواز القضاء بالعلم ، كما توهّم في الاستدلال .
وممّا يشهد على ذلك ما ورد في صحيح سليمان بن خالد الذي يرويه الكليني (قدس سره) عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن النضر بن سويد ، عن هشام بن سالم ، عن سليمان بن خالد ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « لا يحلف اليهودي ولا النصراني ولا المجوسي بغير اللّه ، إنّ اللّه عزّوجلّ يقول : {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ} » (٣٣)وقد نقله العيّاشي أيضاً عن سليمان بن خالد (٣٤).
ولعلّه لهذه النكتة لم يستند المشهور القائلون بالجواز بهذه الآيات ، وإنّما
(٣٢)الوسائل ١٣ : ١٠، ب٤ من أبواب صفات القاضي ، ح٨ . كذلك راجع : تفسير العيّاشي ١ : ٣٢٥. تفسير البرهان ١ : ٤٧٧ـ ٤٧٨. تفسير الصافي ٢ : ٤١.
(٣٣)الكافي ٧ : ٤٥١، كتاب الأيمان والنذور والكفّارات ، باب استحلاف أهل الكتاب ، ح٤ .
(٣٤)تفسير العيّاشي ١ : ٣٢٥.