فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٣٣ - حكم القاضي بعلمه آية اللّه السيّد محمود الهاشمي
وعدل نسبيّان إضافيّان ، لا بدّ من إضافتهما إلى ما هو المشروع والمجعول في كيفيّة القضاء ، وهذه عناية زائدة بحاجة إلى قرينة ، وإلاّ فظاهر اللفظ إرادة الحقّ والعدل المطلقين ، وهو الحقّ والعدل بحسب الواقع المترافع فيه .
نعم ، يبقى هنا إشكالان آخران :
أحـدهما :ما تقدّم في الإشكال على الوجه السابق ، من أنّ النظر في هذه الآيات الثلاثة أيضاً إلى نفس ما كان النظر إليه في تلك الآيات ، أعني كبرى الحكم والتشريع الذي يريد الحاكم تطبيقه على موضوعه بعد الفراغ عن ثبوته قضائياً ، فلابدّ وأن يكون ذلك الحكم عدلاً وحقّاً ، لا من الأحكام الباطلة والظالمة التي وضعها الطواغيت والحكّام الجائرون بأهوائهم الفاسدة ، وأمّا كيف يثبت موضوع الحكم العادل والحقّ فهو أجنبي عن منظور الآيات .
والحاصل : فرق بين أن يقال : « احكم بالواقع » وأن يقال : « احكم بالعدل والقسط والحقّ » فإنّ هذه العناوين من أوصاف نوع الحكم والتشريع الذي يحكم به القاضي ، وليس النظر فيه إلى الظلم من ناحية إنكاره للموضوع مع علمه به .
وممّا يشهد على هذا الاستظهار أنّ سياق الآية الثالثة نفس سياق الآيات المتقدّمة بل هي منها . والآية الاُولى حيث فرّع فيها الحكم بالحقّ على جعل داود خليفة في الأرض من قِبل اللّه سبحانه ، فيناسب أن يكون المراد بالحكم بين الناس بالحقّ فيها مطلق إقامة الحقّ والشريعة الإلهيّة العادلة على الناس . وأمّا الآية الثانية فقد ورد فيها الحكم بالعدل عقيب الأمر بأداء الأمانة إلى أهلها حيث قال تعالى : {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْْإَمَانَاتِ إِلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً } (٣٩)وهذا التعقيب يدلّ على أنّ المقصود بالأمانة التي أمر اللّه بأدائها سنخ أمانة خاصّة عظيمة لها ارتباط بالحكم بالعدل وإقامته بين الناس ، فيناسب أن يكون المراد بها الإمامة
(٣٩) النساء :٥٨.