فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٧ - حكم القاضي بعلمه آية اللّه السيّد محمود الهاشمي
وإن شئت قلت : لو قام دليل على عدم جواز حكم القاضي على طبق علمه الشخصي ـ أي من دون بيّنة ويمين ـ فهذا لا يكون مصادماً مع حكم العقل بالحجّية الذاتية للعلم ، بل يمكن أن يكون دليلاً على عدم حجّية علم القاضي في مقام القضاء والنفوذ على الآخرين ، فيقيّد إطلاق الدليل الثاني فقط والذي جعل مطلق علم القاضي وحكمه موضوعاً للحجّية والنفوذ على الآخرين ، وهذا تصرّف في أثر العلم الموضوعي لا الطريقي .
ويمكن أن يدلّ على عدم جواز الحكم والإسناد بالعلم الشخصي ، فيكون مقيّداً للدليل الأوّل أيضاً ، أي دالاًّ على أنّ الإسناد والحكم لا يجوز إلاّ بما قامت عليه البيّنة والحجّة الشرعية ، وأنّ هذا الحكم ـ وهو جواز الإسناد والحكم ـ ليس من آثار الواقع فقط ، وهذا أيضاً لا محذور فيه ، وليس مصادماً مع الحجّية الذاتية للعلم ، بل معناه أنّ جواز الإسناد والحكم أيضاً اُخذ في موضوعه العلم والطريق الخاصّ ، وهذا واضح .
الأمر الثــالث : إنّ ما ثبت بالآيات والروايات من الأمر بجلد الزاني أو قطع يد السارق ـ ونحوها ممّا رتّب فيه الحكم على واقع الزنى أو السرقة ـ ليس حكماً تكليفياً راجعاً إلى كلّ مكلّف أو إلى القاضي بالخصوص بإقامة الحدّ على موضوعه الواقعي كلّما تحقق ، كما في « لا تشرب الخمر » مثلاً ، وإنّما هو تشريع وضعي للعقوبات في أنواع الجرائم بلسان الأمر بها ، ولعلّ ذلك للإشارة إلى لزوم إقامتها وعدم جواز تعطيلها في المجتمع ، وأمّا شروط الإقامة ومن له حق الإقامة وكيفية إثبات الجرم على المتهم بها فهذه كلّها حيثيات اُخرى أجنبية عن مفاد هذه الأدلّة وجهة البيان فيها ، فلا يمكن التمسّك بإطلاقها من تلك النواحي لنفي اشتراط شيء فيها كاشتراط البيّنة أو اليمين مثلاً في الإثبات ، خصوصاً إذا لاحظنا ارتكازية أنّ الحقوق والمسؤوليات سواء المدنية منها أو الجنائية بحاجة إلى إثبات في مقام المرافعة والمخاصمة لإجراء الحكم على شخص ، ولا يكفي ثبوتها الواقعي من دون إثبات لإدانته بها . فلا