فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٣ - حكم القاضي بعلمه آية اللّه السيّد محمود الهاشمي
وثانيـاً : فيما يرجع إلى حقوق الناس وإن لم ينقل صريحاً عن أحد القول بعدم الجواز غير ابن الجنيد ، إلاّ أنّ ما ورد في كلام ابن حمزة من تقييد الحكم بالجواز بما إذا كان الحاكم مأموناً ، وكذلك ورد ذلك في مبسوط الشيخ : « وعندنا أنّ الحاكم إذا كان مأموناً قضى بعلمه ، وإن لم يكن كذلك لم يحكم به » (١٧)مشعر بأنّ المسألة لم تكن إجماعية بيّنة ، وإنّما مستندة إلى التعليلات والاستدلالات الفقهية نفياً وإثباتاً ، حيث استدلّ على عدم الجواز بالتهمة ، فاُخذت المأمونية عن ذلك قيداً في الحاكم الذي قضى بعلمه ؛ بل مراجعة كلمات الفقهاء القدامى واستدلالاتهم تدلّ على استنادهم في القول بالجواز مطلقاً أو بالتفصيل إلى بعض تلك الوجوه والاستدلالات ممّا يجعل الإجماع المذكور محتمل المدركية ، فلا حجّية فيه .
الوجه الثـاني : التمسّك بخطابات الحدود والأمر باقامتها على السارق والزاني ونحوهما . والظاهر أنّ أوّل من تمسّك بهذا الوجه هو السيد في الانتصار كما تقدّم ، وقد قرّره في الجواهر بنحو أحسن ، فقال : « مضافاً . . . إلى تحقّق الحكم المعلّق على عنوان قد فرض العلم بحصوله ، كقوله تعالى : {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فاقطعوا أيديهما } { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي . . . } إلى آخرها . والخطاب للحكّام ، فاذا علموا تحقّق الوصف وجب عليهم العمل ؛ فإنّ السارق والزاني [ من [تلبّس بهذا الوصف ، لا من أقرّ به أو قامت عليه به البيّنة ، وإذا ثبت ذلك في الحدود ففي غيره بطريق أولى » (١٨).
ولكنّك عرفت أنّ نفس تعليق الحكم في هذه الخطابات على عنوان الجريمة بوجوده الواقعي دليل على نظرها إلى مقام الثبوت لا الإثبات ، أي إلى تشريع العقوبة على موضوعها الواقعي ، وأما كيفية إثبات موضوعها وإدانة المتهم بها فهو مقام القضاء وإثبات الدعوى ، الذي هو مقام آخر أجنبي عن مفاد هذه الخطابات ، كما هو الحال في تمام أدلّة الأحكام والحقوق المدنية أو الجنائية
(١٧)المبسوط ٨ : ١٢١.
(١٨)جواهر الكلام ٤٠ : ٨٨.