فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٤ - حكم القاضي بعلمه آية اللّه السيّد محمود الهاشمي
كما أنّ مبدأ حق الخصم في المناقشة لا يمنع عن جواز قضاء القاضي بعلمه الشخصي بعد تقديم المحكوم عليه كلّ ما لديه من المناقشات وعدم وفائها في هدم الأدلّة ونقضها بلا فرق بين البيّنة وعلم القاضي . وما ذكر من أنّ القاضي لا يجوز أن يكون خصماً وحكَماً صحيح بمعنى أن يكون هو طرف الدعوى المستفيد منها ؛ فإنّ أحد المتخاصمين لا يمكن أن يكون هو الحكَم في تلك المخاصمة ، فالخصم بمعنى المدّعي أو المدّعى عليه لا يكون حكَماً ، لا الخصم بمعنى كل من يمكن أن يناقَش ما يقدّمه من الدليل في المحكمة من قِبل المحكوم عليه ، كيف ؟ ! وقد يناقش المحكوم عليه جملة ممّا يستند إليه القضاة في الحكم ، كما إذ جرح في الشهود من حيث العدالة أو العدد والقاضي يعلم عدالتهم وتمامية عددهم ؛ فإنّ هذا لا يجعل القاضي الحكَم خصماً .
وعليه ، فاللازم ملاحظة الأدلّة الشرعية إثباتاً ونفياً . وقبل الشروع فيها نشير إلى اُمور :
الأمر الأوّل : لا إشكال في أنّ مقتضى القاعدة عدم نفوذ حكم أحد على أحد إلاّ بدليل ، وهذا لا يفرّق فيه بين أن يكون الشك في نفوذ الحكم من ناحية الشك في الأهلية ، كما إذا شكّ في اشتراط العدالة أو الاجتهاد أو الذكورة في القاضي ، أو من ناحية الشكّ في سعة دائرة نفوذ الحكم وضيقها ، كما إذا شكّ في نفوذ حكم القاضي على الغائب مثلاً ، أو من ناحية الشك في مستند الحكم ، كما في مسألتنا هذه ؛ فإنّها جميعاً من باب واحد ، أي شك في نفوذ حكم القاضي بنحو الشبهة الحكمية ، والأصل فيه عند الشك وعدم الدليل ـ ولو بإطلاق وعموم ـ هو عدم الحجّية وعدم النفوذ ، وهذا واضح .
الأمر الثـاني : قد يتصور أنّ عدم جواز حكم القاضي بعلمه مخالف لما هو مقرّر في محلّه من الحجية الذاتية للعلم وعدم إمكان الردع عنه عقلاً ؛ لأنّه حينما علم القاضي بوقوع الجريمة فهو يرى لا محالة تحقق موضوع العقوبة