فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٩ - حكم القاضي بعلمه آية اللّه السيّد محمود الهاشمي
المورد اجتهاداً أو تقليداً ، فيقال إنّه حكمه مسامحة وبهذا الاعتبار .
فإذا اتّضحت هذه المقدّمة نقول : إنّ الآيات المذكورة ـ بقرينة أمرها بالحكم بما أنزل اللّه وشرّعه ـ تكون ناظرة إلى المرحلة الثانية لا الاُولى ، فيكون مفادها أنّ الحاكم لا بدّ وأن يطبّق الأحكام الإلهيّة المشرّعة من قِبل اللّه والنازلة على أنبيائه العظام ، لا الأحكام البشرية التابعة لأهوائهم ، وهذا يعني أنّ نظر الآيات المذكورة إلى الشبهة الحكمية وما ينبغي أن يطبّقه الحكّام من أحكام وشرائع ، فلا يجوز لهم أن ينحرفوا عمّا أنزله اللّه لعباده ، وأمّا أنّ الموضوع المترافع فيه بماذا يثبت قضائياً ، بحيث يكون حكم القاضي نافذاً فيه على المتخاصمين فهذه جهة اُخرى أجنبية عن منظور هذه الآيات ، بل هذه الجهة مأخوذة في الآيات كالموضوع مفروغاً عنه ، فكأنّها تقول كلّما ثبت الموضوع بما يكون مثبتاً له فلابدّ من الحكم فيه بما أنزله اللّه لا بما جعله البشر ، فهي ليست بصدد إثبات الموضوع ، بل بصدد الأمر باتّباع ما أنزله اللّه سبحانه في ذلك الموضوع على تقدير ثبوته في كلّ مورد بحسبه .
لا يقــال : الأمر بالحكم بما أنزل اللّه وعدم مخالفته كما يشمل إنكار أصل الحكم المجعول من قِبل اللّه سبحانه كذلك يشمل بإطلاقه من لا يطبّق الحكم الإلهي على موضوعه عند العلم بتحقّقه ، فإنّه أيضاً يكون مصداقاً لمن لم يحكم بما أنزله اللّه في ذلك المورد ، فيكون القاضي مأموراً بذلك في مورد علمه الشخصي بمقتضى إطلاق الآيات ، ولازم ذلك جواز القضاء بالعلم ، وهو المطلوب .
فإنّه يقـال : لو كانت الآيات واردة في باب المرافعة وناظرة إلى مرحلة الإثبات القضائي للموضوع المترافع فيه ـ كما إذا كان بلسان أنّ القاضي يحكم بما يراه الواقع أو بما يراه حكم اللّه الواقعي ـ أمكن استفادة نفوذ حكم القاضي من ذلك . إلاّ أنّها ليست واردة في هذا المجال ، وإنّما وردت ناظرة إلى الأحكام