فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٣٠ - حكم القاضي بعلمه آية اللّه السيّد محمود الهاشمي
والشرائع النازلة من السماء ، وبلسان الأمر بالحكم بما أنزل اللّه وعدم مخالفته ، وهذا اللسان ليس مفاده أكثر من القضية الشرطية التي ذكرناها ، وهي أنّه كلّما فرض تماميّة الموضوع ثبوتاً وإثباتاً فلا بدّ من الحكم فيه بما أنزل اللّه ، وإطلاق مثل هذه الشرطية حتى لموارد القضاء والمرافعات لا يستلزم تعرّض الآيات لكيفيّة إحراز موضوع الشرطية حتى يستكشف منه بالملازمة نفوذ علم القاضي ، وهذا واضح .
وممّا يشهد على أنّ تمام النظر في هذه الآيات إلى الشبهة الحكمية والشرائع الإلهيّة عموماً لا الواقع المتنازع فيه في المرافعة وكيفيّة إثباته قضائياً ، ما نجده في ثنايا الآيات وسياقها من ذكر التوراة والإنجيل والقرآن ، والمقابلة بينها وبين أهواء بني إسرائيل ، أو المقابلة بين حكم اللّه وحكم الجاهلية ، أو التصريح بأنّ ما أنزله اللّه من الكتب يحكم به النبيّون والربّانيّون والأحبار ، إلى غير ذلك من التعبيرات المبثوثة في هذا المقطع من الآيات المباركة والصريحة في أنّ تمام النظر فيها إلى الشرائع الإلهيّة ولزوم إقامتها وإحيائها ؛ ومن هنا لا يبعد أن يكون المراد من الحكم في هذه الآيات المعنى الأعمّ من القضاء ، بحيث يشمل ألوان الحكم والإلزام وتنفيذ الأحكام الشرعية ؛ فإنّ الحكم في اللغة أصله المنع والإلزام ومنه الأحكام الشرعية ، ويأتي بمعنى العلم والحكمة ، وبمعنى التنفيذ ومنه الحاكم والحكومة ، وبمعنى مطلق القضاء الشامل للإفتاء وبيان الحكم الكلّي ومنه قضاء النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) بلا ضرر ولا ضرار وغيره ، والسياق والقرائن المذكورة في هذه الآيات يناسب إرادة المعنى الأعـمّ .
كما أنّه في بعض الروايات فسّرت آية {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ . . . } (٣٠)بالإمامة والحكومة ، كما وطبق آيات {وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ . . . } (٣١)على ما فعله الحكّام من منع الخمس ونصيب آل محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) .
(٣٠) المائدة :٤٤.
(٣١) المائدة :٤٥.