قضاياالمجتمع والأسرة والزواج - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢٥ - هل تقبل سنّة الإسلام الاجتماعية الإجراء والبقاء ؟
وأمّا قولهم : إنّ المدنية الحاضرة سمحت للممالك المترقّية سعادة المجتمع ، وهذّب الأفراد وطهّرهم عن الرذائل التي لا يرتضيها المجتمع . فكلام غير خالٍ من الخلط والاشتباه .
وكأنّ مرادهم من السعادة الاجتماعية تفوق المجتمع ، في عدّتها وقوّتها ، وتعاليها في استفادتها من المنابع المادّية ، وقد عرفت كراراً أنّ الإسلام لا يعدّ ذلك سعادة ، والبحث البرهاني أيضاً يؤيّده ، بل السعادة الإنسانية أمر مؤلَّف من سعادة الروح والبدن ، وهي تُنعم الإنسان من النعم المادّية ، وتُحلّيه بفضائل الأخلاق والمعارف الحقّة الإلهية ، وهي التي تضمن سعادته في الحياة الدنيا والحياة الأُخرى ، وأمّا الانغمار في لذائذ المادّة مع إهمال سعادة الروح ، فليس عنده إلاّ شقاء .
وأمّا استعجابهم بما يرون من الصدق والصفاء والأمانة والبشر ، وغير ذلك فيما بين أفراد الأمم المترقّية ، فقد اختلط عليهم حقيقة الأمر فيه ؛ وذلك أنّ جُلَّ المتفكّرين من باحثينا معاشر الشرقيين لا يقدرون على التفكير الاجتماعي ، وإنّما يتفكّرون تفكُّراً فردياً ، فالذي يراه الواحد منّا نُصب العين أنّه موجود إنساني مستقلّ عن كل الأشياء ، غير مرتبط بها ارتباطاً تبطل استقلاله الوجودي ( مع أنّ الحق خلافه ) ، ثمّ لا يتفكّر في حياته إلاّ لجلب المنافع إلى نفسه ودفع المضارِّ عن نفسه ، فلا يشتغل إلاّ بشأن نفسه وهو التفكُّر الفردي ، ويستتبع ذلك أن يقيس غيره على نفسه ، فيقضي فيه بما يقضي على هذا النحو من الاستقلال .
وهذا القضاء إن صحَّ ، فإنّما يصحّ فيمَن يجري في تفكُّره هذا المجرى ، وأمّا مّن يتفكّر تفكُّراً اجتماعياً ، ليس نُصب عينيه إلاّ أنّه جزء غير منفكٍّ ولا مستقلٍّ عن المجتمع ، وأنّ منافعه جزء من منافع مجتمعه ، يرى خير المجتمع