قضاياالمجتمع والأسرة والزواج - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٣٣ - بماذا يتكوَّن ويعيش المجتمع الإسلامي ؟
ضمانها على عهدتها ، فهي مع الإنسان في سرِّه وعلانيته ، وخلوته وجلوته ، تؤدِّي وظيفتها وتعمل عملها أحسن ما يؤدِّيه شُرطيٌّ مراقب ، أو أيُّ قوَّة تبذل عنايتها في حفظ النُظُم .
نعم ، تعتني المعارف العمومية في هذه الممالك بتربية الناس على الأخلاق المحمودة ، وتبذل جهدها في حض الناس ، وترغيبهم إليها ، لكن لا ينفعهم ذلك شيئاً .
أمَّا أولاً : فلأنَّ المنشأ الوحيد لرذائل الأخلاق ، ليس إلاَّ الإسراف والإفراط في التمتُّع المادي والحرمان البالغ فيه ، وقد أعطت القوانين للناس الحرِّية التامّة فيه ، فأمتعت بعضاً وحرمت آخرين ، فهل الدعوة إلى فضائل الأخلاق والترغيب عليها إلاّ دعوة إلى المتناقضين أو طلباً للجمع بين الضدَّين .
على أنَّ هؤلاء ـ كما عرفت ـ يفكِّرون تفكُّراً اجتماعياً ، ولا تزال مجتمعاتهم تُبالغ في اضطهاد المجتمعات الضعيفة ودحض حقوقهم ، والتمتُّع بما في أيديهم ، واسترقاق نفوسهم ، والتوسُّع في التحكُّم عليهم ما قدروا ، والدعوة إلى الصلاح والتقوى مع هذه الخصيصة ، ليست إلاَّ دعوة متناقضة لا تزال عقيمة .
وأما ثانياً : فلأنَّ الأخلاق الفاضلة أيضاً ، تحتاج في ثباتها واستقرارها إلى ضامن يضمن حفظها وكلاءتها ، وليس إلاَّ التوحيد أعني القول : بأنَّ للعالم إلهاً واحداً ، ذا أسماء حُسنى ، خَلقَ الخلق لغاية تكميلهم وسعادتهم ، وهو يحبُّ الخير والصلاح ، ويُبغض الشرَّ والفساد ، وسيجمع الجميع لفصل القضاء وتوفية الجزاء ، فيُجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته .
ومن الواضح ، أنَّ لولا الاعتقاد بالمعاد لم يكن هناك سبب أصيل رادع عن اتِّباع الهوى والكفِّ عن حظوظ النفس الطبيعية ، فإنَّما الطبيعة الإنسانية تريد وتشتهي مشتهيات نفسها ، لا ما ينتفع به غيرها كطبيعة الفرد الآخر ، إلاَّ إذا رجع بنحو إلى مُشتهى