قضاياالمجتمع والأسرة والزواج - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢٤ - هل تقبل سنّة الإسلام الاجتماعية الإجراء والبقاء ؟
الأمر المعلوم لا صفة العلم ، فالوقوع الدائمي والأكثري أيضاً بوجه من الحق ، وأمّا آراء الأكثرين وأنظارهم واعتقاداتهم في مقابل الأقلّين فليست بحق دائماً ، بل ربّما كانت حقّاً إذا طابقت الواقع ، وربّما لم تكن إذا لم تُطابق ، وحينئذ ؛ فلا ينبغي أن يخضع لها الإنسان ، ولا أنّه يخضع لها لو تنبّه للواقع ، فإنّك إذا أيقنت بأمر ثمّ خالفك جميع الناس فيه لم تخضع بالطبع لنظرهم ، وإن اتّبعتهم فيه ظاهراً فإنّما تتّبعهم لخوف أو حياء ، أو عامل آخر ، لا لأنّه حق واجب الاتّباع في نفسه ، ومن أحسن البيان في أنّ رأي الأكثر ونظرهم لا يجب أن يكون حقّاً واجب الاتّباع ، قوله تعالى : ( ... بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) [١] ، فلو كان كل ما يراه الأكثر حقّاً ، لم يمكن أن يكرهوا الحق ويعارضوه .
وبهذا البيان يظهر فساد وبناء اتّباع الأكثرية على سنّة الطبيعة ، فإنّ هذه السنّة جارية في الخارج الذي يتعلّق به العلم دون نفس العلم والفكر ، والذي يتّبعه الإنسان من هذه السنّة في إرادته وحركاته ، إنّما هو ما في الخارج من أكثرية الوقوع ، لا ما اعتقده الأكثرون ، أعني أنّه يبني أفعاله وأعماله على الصلاح الأكثري ، وعليه جرى القرآن في حكم تشريعاته ومصالحها ، قال تعالى : ( ... مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) [٢] .
وقال تعالى : ( ... كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) [٣] ، إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على ملاكات غالبية الوقوع للأحكام المشرعة .
[١] سورة المؤمنون ، الآية : ٧٠ .
[٢] سورة المائدة ، الآية : ٦ .
[٣] سورة البقرة ، الآية : ١٨٣ .