قضاياالمجتمع والأسرة والزواج - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢٦ - هل تقبل سنّة الإسلام الاجتماعية الإجراء والبقاء ؟
خير نفسه وشرّه شرَّ نفسه ، وكل وصف وحال له وصفاً وحالاً لنفسه ، فهذا الإنسان يتفكّر نحواً آخر من التفكّر ، ولا يشتغل في الارتباط بغيره إلاّ بمَن هو خارج عن مجتمعه ، وأمّا اشتغاله بأجزاء مجتمعه فلا يهتمُّ به ولا يقدِّره شيئاً .
واستوضح ذلك بما نورده من المثال : الإنسان مجموع مؤلّف من أعضاء وقوى عديدة ، تجتمع الجميع نوع اجتماع يُعطيها وحدة حقيقية نُسمِّيها الإنسانية ، يوجب ذلك استهلاك الجميع ـ ذاتاً وفعلاً ـ تحت استقلاله ، فالعين والأُذن واليد والرجل تبصر وتسمع وتبطش وتمشي للإنسان ، وإنّما يلتذُّ كلٌّ بفعله ضمن التذاذ الإنسان به ، وكل واحدة من هذه الأعضاء والقوى همُّها أن ترتبط بالخارج الذي يريد الإنسان الواحد الارتباط به بخير أو شرّ ، فالعين أو الأُذن ، أو اليد أو الرجل ، إنّما تريد الإحسان أو الإساءة إلى مَن يُريد الإنسان الإحسان أو الإساءة إليه من الناس مثلاً ، وأمّا معاملة بعضها مع بعض والجميع تحت لواء الإنسانية الواحدة ، فقلمَّا يتَّفق أن يُسيء بعضها إلى بعض أو يتضرّر بعضها ببعض .
فهذا حال أجزاء الإنسان وهي تسير سيراً واحداً اجتماعياً ، وفي حكمه حال أفراد مجتمع إنساني ، إذا تفكّروا تفكُّراً اجتماعياً ، فصلاحهم وتقواهم ، أو فسادهم وإجرامهم ، وإحسانهم وإساءتهم ، إنّما هي ما لمجتمعهم من هذه الأوصاف ، إذا أُخذ ذا شخصية واحدة .
وهكذا صنع القرآن في قضائه على الأُمم والأقوام ، التي ألجأتهم التعصُّبات المذهبية أو القومية أن يتفكّروا تفكُّراً اجتماعياً ، كاليهود والأعراب وعدّة من الأُمم السالفة ، فتراه يؤاخذ اللاحقين بذنوب السابقين ، ويُعاتب الحاضرين ويوبّخهم بأعمال الغائبين والماضين ؛ كل ذلك لأنّه القضاء الحق فيمَن يتفكّر فكراً اجتماعياً ، وفي القرآن الكريم من هذا الباب آيات كثيرة ، لا حاجة إلى نقلها .