قضاياالمجتمع والأسرة والزواج - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٤٧ - هل الإسلام قادر على إسعاد البشرية ؟
وإنّما الاختلاف بينهما من حيث مصاديق الوسائل ، التي يرفع الإنسان بها حوائجه المادّية ، ومن حيث مصاديق الحوائج حسب ما يتنبّه لها وبوسائل رفعها .
فقد كان الإنسان الأوّلي ـ مثلاً ـ يتغذّى بما يجده من الفواكه والنبات ولحم الصيد على وجه بسيط ساذج ، وهو اليوم يهيِّئ منها ببراعته وابتداعه أُلوفاً من ألوان الطعام والشراب ذات خواص تستفيد منها طبيعته ، وألوان يستلذُّ منها بصره ، وطعوم يستطيبها ذوقه ، وكيفيّات يتنعّم بها لمسه ، وأوضاع وأحوال أُخرى يصعب إحصاؤها ، وهذا الاختلاف الفاحش لا يُفرِّق الثاني من الأول ، من حيث إنّ الجميع غذاء يتغذّى به الإنسان لسدِّ جوعه وإطفاء نائرة شهوته . وكما أنّ هذه الاعتقادات الكلّية التي كانت عند الإنسان أولاً لم تبطل بعد تحوُّله من عصر إلى عصر ـ بل انطبق الأول على الآخر انطباقاً ـ كذلك القوانين الكلّية الموضوعة في الإسلام طبق دعوة الفطرة واستدعاء السعادة ، لا تبطل بظهور وسيلة مكان وسيلة ، ما دام الوفاق مع أصل الفطرة محفوظاً من غير تغيُّر وانحراف ، وأمّا مع المخالفة ، فالسنّة الإسلامية لا توافقها ، سواء في ذلك العصر القديم ، والعصر الحديث .
وأمّا الأحكام الجزئية المتعلّقة بالحوادث الجارية ، التي تحدث زماناً وزماناً وتتغيّر سريعاً بالطبع ، كالأحكام المالية والانتظامية ، المتعلّقة بالدفاع وطرق تسهيل الارتباطات والمواصلات والمؤسسات البلدية ونحوها ، فهي مفوّضة إلى اختيار الوالي ومتصدّي أمر الحكومة ، فإنّ الوالي نسبته إلى ساحة ولايته كنسبة الرجل إلى بيته ، فله أن يعزم على أمور من شؤون المجتمع في داخله أو خارجه ـ ممّا يتعلّق بالحرب أو السلم مالية أو غير مالية ـ يراعي فيها صلاح حال المجتمع بعد المشاورة مع المسلمين ، كما قال تعالى : ( ... وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى