قضاياالمجتمع والأسرة والزواج - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢٢٢ - تعدُّد أزواج النبي
أنّهم كانوا وفِّقوا لإقامة هذه السنّة ، وإذا لم تكن الحكومات الإسلامية تُغمض في أمر الزنا وسائر الفواحش ، هذا الإغماض الذي ألحقها تدريجاً بالسنن القانونية ، وامتلأت بها الدنيا فساداً ووبالاً .
وأمّا قوله : ( وكلتا الفاحشتين كانتا فاشيتين في الجاهلية ، ولكنَّ فشوَّ الزنا كان في الإماء دون الحرائر ) ظاهرة أنّ مراده بالفاحشتين الزنا وشرب الخمر ، وهو كذلك ، إلاّ أنّ كون الزنا فاشياً في الإماء دون الحرائر ممّا لا أصل له يُركن إليه ؛ فإنّ الشواهد التاريخية المختلفة المتفرّقة تؤيِّد خلاف ذلك ، كالأشعار التي قيلت في ذلك ، وقد تقدّم في رواية ابن عباس أنّ أهل الجاهلية لم تكن ترى بالزنا بأساً ، إذا لم يكن علنيّاً .
ويدلّ عليه أيضاً مسألة الادّعاء والتبنّي الدائر في الجاهلية ؛ فإنّ الادّعاء لم يكن بينهم مجرّد تسمية ونسبة ، بل كان ذلك أمراً دائراً بينهم يبتغي به أقوياؤهم تكثير العدّة والقوّة بالإلحاق ، ويستندون فيه إلى زنا ارتكبوه مع الحرائر حتى ذوات الأزاج منهنّ ، وأمّا الإماء فهم ولا سيّما أقوياؤهم يعيبون الاختلاط بهنّ ، والمعاشقة والمغازلة معهنّ ، وإنّما كانت شأن الإماء في ذلك أنّ مواليهن يُقيمونهنّ ذلك المقام اكتساباً واسترباحاً .
ومن الدليل على ما ذكرناه ؛ ما ورد من قصص الإلحاق في السير والآثار ، كقصّة إلحقاق معاوية بن أبي سفيان زياد بن أبيه لأبيه أبي سفيان ، وما شهد به شاهد الأمر عند ذلك ، وغيرها من القصص المنقولة .
نعم ، ربّما يستُشهد على عدم فشوِّ الزنا بين الحرائر في الجاهلية بقول هند للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عند البيعة : وهل الحرّة تزني ؟! لكنّ الرجوع إلى ديوان حسّان ، والتأمّل فيما هجا به هنداً بعد وقعتي بدر وأُحد يرفع اللبس ، ويكشف ما هو حقيقة الأمر .