عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٨٦ - مقام الشريف الرضي بين شعراء القرن الرابع
و لكن من الظلم أن نقضي بأن ذلك التوافق المذهبي كان كل الأسباب في عطف الشريف على ابن حجاج، فقد كانت لهذا الرجل و ثبات شعرية قليلة الامثال، فهو الذي يقول:
و مدلّل أما القضيب فقدّه # شكلا و أما ردفه فكثيب
يمشي و قد فعل الصّبا بقوامه # فعل الصّبا بالغصن و هو رطيب
متلوّن يبدي و يخفي شخصه # كالبدر يطلع مرة و يغيب
أرمي مقاتله فتخطىء أسهمي # غرضي و يرمي مقتلي فيصيب
نفسي فداؤك إن نفسي لم تزل # يحلو فداؤك عندها و يطيب
مالي و ما لك لا أراك تزورني # إلا و دونك حاسد و رقيب
تلكم حال ابن سكرة و ابن حجاج، فهل يمكن القول بأن الشريف كان ينظر إلى نجاح هذين الشاعرين بعين الارتياح؟ و كيف و هو يراهما ينتهبان الجوّ الادبي أفظع انتهاب، و يبلغان بالهزل ما لا يبلغ معشاره أصحاب الجد الصّراح؟ و لا تنسوا أني أسوق هذا الكلام لا بين السر في حرص الشريف على الزهو بشعره، و الاختيال بعبقريته، فقد كان مضطرا إلى تذكير أهل العراق بما له في الشعر من مقام جليل.
و في القرن الرابع نبغ أبو الحسن الجرجاني الذي ذكّر الناس بعهد البحتري، و قد فصلت الكلام عن شعره و نثره في الجزء الثاني من كتاب «النثر الفني» فلا أعود اليه الآن، و إنما يهمني أن أنص على أنه كان من أشهر من أنصفوا المتنبي، و كان الشريف يبغض المتنبي، كما تعلمون [١]
[١] سنرى فيما بعد رأيا للاستاذ طه الراوي ينفي الخصومة التي قيل انها ثارت بين المعري و الشريف الرضي بسبب المتنبي.