عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٦ - مقدمة الطبعة الأولى
مقالات كثيرة جدا نشرتها صحف مصر و لبنان و العراق، و رججت الحياة الأدبية في بغداد رجا عنيفا، فذلك كان أقلّ ما يجب أن أصنع في مقابل الثقة التي شرفتني بها حكومة العراق، و ذلك كان أقل ما يجب أن أصنع لأحفظ لنفسي مكانا بين المصريين الذين تشرفوا بخدمة العلم في العراق من أمثال الأساتذة محمد عبد العزيز سعيد و أحمد حسن الزيات و عبد الرزاق السنهوري و عبد الوهاب عزام و محمود عزمي، و ذلك كان أقلّ ما يجب أن أصنع في خدمة تلاميذي و تلميذاتي في بغداد، و قد رأيت في وجوههم وجوه أبنائي و بناتي فكلفت نفسي في خدمتهم فوق ما أطيق.
لا تسألوني كيف ظلمت نفسي فأنفقت من العافية ما أنفقت، فقد ساءني أن أعرف أن «دار المعلمين العالية» لها في بغداد تاريخ: فكانت تفتح ثم تغلق، و تفتح ثم تغلق، فاستعنت اللّه و انتفعت بعطف معالي وزير المعارف الأستاذ محمد رضا الشبيبي و أريحية الأستاذ طه الراوي و مودة الدكتور فاضل الجمالي، و عولت على همة زميلي و صديقي الدكتور فؤاد عقراوي، و أقمنا لدار المعلمين العالية أساسا من متين التقاليد الجامعية، فأغنينا مكتبتها بالمؤلفات القديمة و الحديثة، و علّمنا طلابها كيف يبحثون و يراجعون، و غرسنا فيهم الشوق إلى التحقيق و الاستقصاء.
و رأيت أن يكون من تقاليد هذا المعهد العالي أن يخرج في كل سنة كتابا عن شاعر أو أديب أو مفكر لم يدرسه أحد من قبل، فألفت كتابي هذا عن الشريف الرضي، فإن ترفقت شواغلي بمصر و أذنت لي بالرجوع إلى بغداد فسأخرج في كل سنة كتابا جديدا، و إن أبت تلك الشواغل أن أتمتع مرة ثانية بالاستصباح بظلام الليل في بغداد فسيذكر من يخلفني أني طوقت عنقه بطوق من حديد، و أن لا مفر له من أن يشقى في سبيل «دار المعلمين العالية» كما شقيت.