عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ١٩٧ - العلا و المعالي في قصائد الشريف
بنات السّرى هذا الذي كان قلبه # يسومك أن تصلي بنار العزائم
و من كل وضاح الحسام مشمرا # اذا شحبت فينا وجوه المظالم
يمسّح أضغان العدوّ و انما # يقبّل ثغرا من ثغور الأراقم
اذا شهد الحرب العوان تدافعت # صدور المواضي في الطلى و الجماجم
و عفّر فرسان العدا و دماؤهم # جوامد ما بين اللحى و العمائم
حدا فقده كلّ العيون الى البكا # فقطّع أرسان الدموع السواجم
و ما خطرت منه على المجد زلة # فيقرع في آثارها سنّ نادم
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة # ألاطم أعناق الرّبا بالمناسم
و هل تقذف البيداء رحلي اليكم # تنفّس عن ليلي أنوف المخارم
و لا بدّ أن ألقى العدا في حميلة # من الخيل تولي بالقنا و الصوارم
و الجمع بين الفخر و النسيب كثير في شعر الشريف، و هو شاهد على اشتباك النوازع في تلك الروح، فذلك قلب يجمع بين العنف و اللطف، و القسوة و اللين، هو قلب عامر النواحي، فيه حنان الأطفال، و صيال الأبطال، يرقّ فتحسبه نسيما، و يقسو فتحسبه جحيما، و انظروا كيف يقول و هو يجمع بين الفخر و النسيب:
يا دار ما طربت اليك النوق # الا و ربعك شائق و مشوق
جاءتك تمرح في الأزمّة و البرى # و الزجر ورد و السّياط عليق
و نحنّ ما جدّ المسير كأنما # كل البلاد محجّر و عقيق
دار تملّكها الفراق فرّقها # بالمحل من أسر الغمام طليق
شرقت بأدمعها المطيّ كأنما # فيها حنين اليعملات شهيق
الآن أقبل بي الوقار عن الصبا # فغضضت طرفي و الظباء تروق
و لو أنني لم أعط مجدي حقه # أنكرت طعم العز حين أذوق