عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٢٠٠ - العلا و المعالي في قصائد الشريف
ألا ليت شعري هل تسالمني النوى # و تخبو همومي من قراع المصائب
إلى كم أذود العين أن يستفزها # و ميض الأماني و الظنون الكواذب
حسدت على أني قنعت فكيف بي # إذا ما رمى عزمي مجال الكواكب
و ما زال للانسان حاسد نعمة # على ظاهر منها قليل و غائب
و أبقت لي الأيام حزما و فطنة # و وقّرن جأشي بالأمور الغرائب
توزّع لحمى في عواجم جمّة # و بان على جنبيّ و سم التجارب
و في هذه القصيدة يبدو الشريف هادىء النفس، و لكنه هدوء من يزعجه الهدوء، و كيف يهدأ من يتصور الحوادث و هي تدبّ دبيب العقارب، أو تثب و ثوب الأفاعي؟ و هو يرى مقام الفتى على الذل عجزا قبيحا، و يرى ذل القلب الجرىء إحدى الأعاجيب. و انظروا الصورة الشعرية التي يمثلها الشطر الثاني من هذا البيت:
إذا قلّ عزم المرء قلّ انتصاره # و أقلع عنه الضيم دامي المخالب
و هو يرى الذل من ثمار الجزع، و يرى خوف العواقب داء يقتل عزائم الرجال.
و هناك دالية نرى تنبيهكم اليها من أوجب الفروض، و هي مما جمع فيه بين الفخر و النسيب:
لأي حبيب يحسن الرأي و الودّ # و أكثر هذا الناس ليس له عهد
أكل قريب لي بعيد بوده # و كلّ صديق بين أضلعه حقد
و للّه قلب لا يبلّ غليله # وصال و لا يلهيه عن خله وعد
يكلفني أن أطلب العز بالمنى # و أين العلا إن لم يساعدني الجدّ