شرح البداية في علم الدراية - الشهيد الثاني - الصفحة ٦٦ - في التواتَرِ وشروط تحقُّقه
ثالثاً: مصاديق تحقِّقه[١]
وهو ـ أي التواتر ـ متحقِّق في أصول الشرائع ـ كوجوب الصلاة اليوميَّة وأعداد ركعاتها ، والزكاة ، والحجِّ ـ تحقُّقاً كثيراً.
وفي الحقيقة مرجع إثبات تواترها إلى المعنويِّ ، لا اللفظي ؛ إذ الكلامُ في الأخبار الدّالّة عليه كغيرها . وقليلٌ تحقُّقه في الأحاديث الخاصّة ، المنقولة بألفاظ مخصوصةٍ ؛ لعدم اتّفاق الطّرفين والوسط فيها ، وإنْ تواتر مدلولُها في بعض الموارد ؛ كالأخبار الدالَّة على شجاعة عليٍّ(عليه السلام) وكرم حاتم ، ونظائرهما . فإنَّ كلَّ فرد خاص من تلك الأخبار الدالَّة على أنَّ عليَّاً(عليه السلام) قتل فلاناً وفعل كذا ، غير متواتر ؛ وكذا الأخبار الدالَّة على أنَّ حاتماً أعطى الفرس الفلانيَّة ، والجملَ والرمح وغيرها ، إلاّ أنَّ القدر المشترك بينها متواترٌ ؛ تدلُّ عليه تلك الجزئيَّات ، المتعدِّدةُ آحاداً ، بالتضمُّن[٢].
وعلى هذا يُنزَّل ما ادّعى المرتضى ومَن تبعه تواتره من الأخبار الدالَّة على النصِّ وغيره ؛ إذ لا شبهة في أنَّ كلَّ واحدٍ من تلك الأخبار آحادٌ ، وقد أومأ إلى ذلك في مسائله التبَّانيَّات[٣].
ولم نتحقَّق إلى الآن خبراً خاصَّاً بلغ حدَّ التواتر ، إلاّ ما سيأتي ؛ حتّى قيلَ ـ والقائلُ
[١] الذي في النسخة الخطِّـيَّة (ورقة ٨ ، لوحة ب ، سطر ٩ ـ ١٠): (وهو ، أي التواتر) فقط ، بدون (ثالثاً: مصاديقُ تحقُّقه).
[٢] قال ابنُ الشهيد الثاني: قد تتكثَّرُ الأخبار في الوقائع وتختلف ، ولكن يشتمل كلُّ واحدٍ منها على معنى مشترك بينها ؛ بجهةِ التضمُّن و الالتزام ، فيحصل العلم بذلك القدر المشترك ، ويُسمَّى: المتواتر من جهة المعنى . وذلك كوقائع أمير المؤمنين في حروبه ؛ من قتله في غزوات بدرٍ كذا ، وفعله في أُحُدٍ كذا ، إلى غير ذلك ، فإنَّه يدلّ بالالتزام على شجاعته . وقد تواتر ذلك منه ، وإن كان لا يبلغ شيء من ذلك الجزئيات درجةَ القطع. معالم الدين وملاذ المجتهدين ، ص٤١٥.
[٣] التبّنيَّات: واحدُها التبّاني ، وهو منسوبٌ إلى التبَّان ، وهو رجلٌ بيَّاع للتبن ، وكانَ من اليمن ، سأل منه (رض) هذه المسائل . خطِّـيَّة الدكتور محفوظ ، ص٩.