شرح البداية في علم الدراية - الشهيد الثاني - الصفحة ٨٠ - في الصحيح
بالعدلِ المذكور ، لا يلزم أن يكونَ في جميع الطبقات ، بحسبِ إطلاقِ اللّفظ ، وإنْ كانَ ذلك مُراداً.
و ـ ونبَّهَ بقوله (وإن اعتراه شذوذ): على خلافِ ما اصطلح عليه العامّة من تعريفه ؛ حيث اعتبروا سلامته من الشذوذ ، وقالوا في تعريفه: إنَّه (ما اتّصل سنده ، بنقل العدل الضابط[١] ، عن مثله ، وسَلِمَ عن شذوذٍ وعِلّة)[٢].
وشمل تعريفهم بإطلاق العدل جميع فِرَقِ المسلمين ؛ فقبلوا روايةَ المُخالف العدل ، ما لم يبلغ خلافه حدَّ الكفر[٣] ، أو يكن ذا بدعة ويروي ما يقوِّي بدعته ، على أصحّ أقوالهم[٤].
وبهذا الاعتبار كثُرت أحاديثهم الصحيحةُ وقلّت أحاديثنا [الصحيحة] ، مُضافاً إلى ما اكتفوا به في العدالة ؛ من الاكتفاء بعدم ظهور الفسق ، والبناء على ظاهر حال المُسلم[٥] ؛ فالأخبار الحسنة والموثّقة عندنا ، صحيحةٌ عندهم ، مع سلامتها من المانِعين المذكورين[٦].
واحترزوا بالسلامة من الشذوذ ، عمَّا رواه الثقة ، مع مخالفته ما روى الناس ، فلا يكونُ صحيحاً.
وأرادوا بالعلّة: ما فيه أسباب خفيّةٌ قادِحةٌ ، يستخرجُها الماهر في الفنّ ؛ وأصحابنا لم يعتبروا في حدّ الصحيح ذلك.
[١] المرادُ بالضابط: مَن يكون حافظاً ميتقّظاً ، غيرَ مغفّلٍ ولا ساهٍ ولا شاكٍ ، حالةَ التحمّل . خطِّـيَّة الدكتور محفوظ ، ص١٣.
[٢] الخلاصة في أصول الحديث ، ص٣٥ ، وينظر: الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ، ص٢٢.
[٣] علَّق المددي هنا بقوله: (ادّعى النواوي الاتفاق على عدم الاحتجاج بحديث مَن كُفّر ببدعته من المسلمين ؛ وتعقّبه السيوطي كما في تدريب الراوي (١/ ٣٢٤) بعدم ثبوت الاتفاق ؛ قال: فقد قيل أنَّه يُقبَل مُطلقاً ، وقيلَ: يُقبل إن اعتقدَ حُرمةَ الكذب ، وصحّحه صاحب (المحصول) ).
[٤] قال المددي: (حُكي عن مالك أنَّه لا يقبل أخبار أصحاب البدع والأهواء مُطلقاً ؛ والثوريّ والقاضي أبي يوسف وابن أبي ليلى: ما يُوافق ما في المتن ؛ وعن أحمد بن حنبل وابن حبّان والنواوي والسيوطي: أنَّه لا تُقبَلُ أخبارُ الداعية مُطلقاً ، وتُقبَل أخبار غير الدّعاة ، وقيل: هذا قولُ الأكثر عندهم . يُنظر: الكفاية للخطيب البغدادي ، ص١٩٤ ـ ١٩٥ ، وتدريب الراوي: ١/ ٣٢٤ ـ ٣٢٥ ).
[٥] وعلَّق المددي هنا أيضاً بقوله: (نسبه الخطيب في الكفاية (ص١٤١) إلى أهل العراق ، مخالفين بذلك الجمهور ؛ القائلين بعدم الاكتفاء بظاهر حال المسلم ، وللتفصيل ينظر: تدريب الراوي: ١/ ٣١٦ ـ ٣٢٠ ).
[٦] قال المددي: أي: الشذوذ ، والعِلّة.