شرح البداية في علم الدراية - الشهيد الثاني - الصفحة ١٤٥ - في المُعلًَّل
مجرَّد الاصطلاح.
وأعلم أنَّ هذه العلّة توجد في كتاب التهذيب ، متناً وإسناداً ، بكثرة[١] ، والتعرّض إلى تمثيلها يخرج إلى التطويل ، المنافي لغرض الرسالة.
[١] وقد علَّق المددي هنا بقوله:
(باعتبار أنَّ الشيخ يروي في الكتاب المذكور أحاديث عن الكتب المتقدِّمة عليه ، كالكافي والبصائر والمحاسن ... وغيرها ؛ إلاّ أنَّه يوجد اختلاف كثير ؛ سواء في المتن أم الإسناد ، حتى قال المحدّث البحرانيّ في الحدائق(٤/ ٢٠٩): والظاهر أنَّ هذه الزيادة سقطت من قلم الشيخ ، كما لا يخفى على مَن له أنس بطريقته ، سيّما في (التهذيب) ، وما وقع له فيه من التحريف والتّصحيف ، والزيادة والنقصان في الأسانيد والمتون ، بحيث إنَّه قلَّما يخلو حديث من ذلك ، في متنه أو سنده!! كما هو ظاهر للممارس.
وعلَّق أيضاً بقوله: (هذا والذي يظهر لي بعد التأمُّل في أحاديث (التهذيب) ، أنَّ الاختلاف المذكور ـ مع الاعتراض بقصور الإنسان وخطأه مهما بلغ من الإتقان والتحقيق ـ يرجع إلى عوامل شتّى.
فمن جهةٍ: يرجع إلى اختلاف نسخ الكتاب ؛ فهناك أحاديث فيها خلل ـ سنداً ومتناً ـ في نسخةٍ منه ، وفي نسخة أخرى تخلو عنه ، بل يبدو للمحقِّق المتتبِّع أنَّ نسخة التهذيب ، التي وصلت إلى صاحب الوافي وصاحب الوسائل وغيرهما ، كانت مختلفة.
ومن جهةٍ أخرى: يرجع إلى اختلاف نسخ المصادر التي اعتمدها الشيخ ، فحينما نرى اختلافاً بين التهذيب والكافي ـ مع أنَّ الأوَّل نقل عن الثاني ـ ليس معناه ، حتماً ، أنَّ الشيخ سها عن ذلك ، بل لعلّ نسخة الكافي التي وصلت إلى الشيخ كانت تختلف عن النسخ التي بأيدينا ، وهكذا في ساير موارد الاختلاف.
ومن جهة ثالثة: يرجع إلى تعدُّد المصادر وتغايرها ؛ فقد نرى الشيخ يروى روايةً وهي موجودة في الكافي بعينها ، إلاّ أنَّ بينها اختلافاً ، سنداً أو متناً ، زيادةً أو نقيصةً ، وهذا لا يعودُ إلى خطأ الشيخ ؛ بل السرّ فيه أنَّ الشيخ يرويها بطريق يخالف طريق الكافي ، فالشيخ يرويها مثلاً عن كتاب أحمد بن محمد بن عيسى ، بينما الكليني يرويها عن الحسين بن سعيد ، فالرواية وإن كانت واحدة ، إلاّ أنَّها من طريقين متغايرين.
ومن هذا القبيل أيضاً أنَّه قد يروي الشيخ حديثاً في موضع من الكتاب ، ويروي نفس الحديث في موضع آخر ، مع الاختلاف سنداً ومتناً ؛ والوجه ما ذكرنا ، يعني: أنَّه يرويه في الموضع الأوَّل عن مصدر معيَّن ، وفي الموضع الثاني عن مصدر آخر.
والذي تحقَّق لي من مراجعة (التهذيب) أنَّ الشيخ الثقة الجليل (رحمه الله) كان يراعي في نقل الحديث كمال الدّقة والإتقان ، وهو بعمله هذا يُرشدنا أيضاً إلى اختلاف نسخ تلك المصادر ، واختلافها فيما بينها ، واحتفظ بشدّة بنقل ما وقف عليه ؛ ولذا ينبغي أن يعدَّ كتابه ـ والحقّ أقول ـ من أقلّ الكتب الحديثية تحريفاً وتصحيفاً ، زيادةً ونقصاناً ، وأضبطها ، وأشملها ، وأتقنها ، فللَّه درّه وعليه أجره.