شرح البداية في علم الدراية - الشهيد الثاني - الصفحة ١٤٧ - أمَّا في الإسناد
لكن يسقط مَن بعده ، رجلاً ضعيفاً أو صغير السنّ ، ليحسِّن الحديث بذلك[١].
وهذان النوعان تدليس في الإسناد.
وأمَّا التدليس في الشيوخ
لا في الإسناد ... فذلك بأن يروي عن شيخ حديثاً سمعه منه ، ولكن لا يحبّ معرفة ذلك الشيخ ؛ لغرض من الأغراض، فيسمِّيه أو يكنّيه باسم أو كنية غير معروف بهما[٢] ، أو ينسبه إلى بلد أو قبيلة غير معروف بهما ، أو يصفه بما لا يعرف به ؛ كي لا يعرف[٣].
وأمره ـ أي أمر القسم الثاني من التدليس ـ أخفُّ ضرراً من الأوّل ؛ لأنَّ ذلك الشيخ مع الإغراب به ، إمَّا أن يُعرف ، فيترتَّب عليه ما يلزمه ؛ من ثقة أو ضعف ، أو لا يُعرف ، فيصير الحديث مجهول السّند ، فيردّ ، لكن فيه تضييع للمرويّ عنه ، وتوعير لطريق معرفة حاله ، فلا ينبغي للمحدِّث فعل ذلك.
ونُقِلَ أنَّ الحامل لبعضهم على ذلك ، كان منافرة بينهما اقتضته ، ولم يسع له ترك حديثه ؛ صوناً للدّين ، وهو عذر غير واضح.
عود على بدءٍ[٤]
والقسم الأوّل من التدليس مذموم جداً ؛ لِمَا فيه من إيهام اتّصال السّند ، مع كونه
[١] ينظر: كتاب الكفاية في علم الرواية ، ص٣٦٤ ، والخلاصة في أصول الحديث ، ص٧٤.
[٢] وقد علَّق المددي هنا بقوله: (ولعلّ من هذا القبيل ما يرويه محمّد بن الحسن بن سُماعة ـ وهو من رؤوس الواقفة ـ عن ابن أبي عمير ، فهو وإن كان يروي عنه كثيراً ، إلا أنَّه لا يذكره باسم: (ابن أبي عمير) ، الذي اشتهر به إلاّ قليلاً ؛ والغالب عليه أن يذكره بعنوان: (محمد بن زياد) ، أو (محمد بن زياد بن عيسى).
ولعلَّه ـ أي ابن سُماعة ـ كان يأبى أن يورد اسم أحد أعلام الإماميّة الاثني عشريّة في كتبه ومصنّفاته ، والله العالم).
[٣] وقال الحافظ ابن كثير: (... فهو الإتيان باسم الشيخ أو كنيته على خلاف المشهور به ؛ تعمية لأمره ، وتوعيراً للوقوف على حاله ، ويختلف ذلك باختلاف المقاصد ، فتارة يكره ، كما إذا كان أصغر سنّاً منه ، أو نازل الرواية ، ونحو ذلك ، وتارةً يحرم ، كما إذا كان غير ثقةٍ ، فدلَّسه لئلاً يعرفحاله ، أو أوهم أنَّه رجل آخر من الثقات على وفق اسمه أو كنيته) . الباعث الحثيث ، ص٥٥.
وينظر: كتاب الكفاية في علم الرواية ، ص٢٢ ، والخلاصة في أصول الحديث ، ص٧٤.
[٤] هذا العنوان: (عود على بدء) ، وضعناه للضرورة المنهجيَّة.