شرح البداية في علم الدراية - الشهيد الثاني - الصفحة ٦٨ - في التواتَرِ وشروط تحقُّقه
ليسَ منه ـ أي من المتواتر[١] ـ وإنْ نقلَه الآن عددُ التواتر وأكثر ، فإنَّ جميعَ علماء الإسلام ورواة الحديث الآن يروونه ، وهم يزيدون عن عدد التواتر أضعافاً مضاعفة ؛ لأنَّ ذلك التواتر المدَّعى قد طرأ في وسط إسناده إلى الآن ، دون أوّله ؛ فقد انفرد به جماعةٌ مترتِّبون ، أو شاركهم مَنْ لا يخرج بهم عن الآحاد.
وأكثر ما ادُّعي تواتره من هذا القبيل: ينظر مُدَّعي التواتر إلى تحقُّقه في زمانه ، أو هو وما قبله ، من غير استقصاء جميع الأزمنة . ولو أنصف ، لوجدَ الأغلب خلوَّ أوّل الأمر منه ، بل ربَّما صار الحديث الموضوع ابتداء متواتراً بعد ذلك[٢] ، لكن شرط التواتر مفقودٌ من جهة الابتداء.
ونازع بعض المتأخّرين في ذلك ، وادَّعى وجودَ المتواترة بكثرةٍ[٣] ، وهو غريب.
نعم ، حديثُ: (مَن كذب عليَّ متعمِّداً ، فليتبوأ مقعده من النَّار)[٤] يُمكن ادّعاء تواتره ؛
[١] وحديثُ: (إنَّما الأعمالُ بالنيَّات) ليس من ذلك السبيل ، وإنْ نقله عدد التواتر وزيادة . مقدِّمةُ ابن الصلاح ، ص٣٩٣.
[٢] وعلَّق المددي: (كما في قوله: (إقرار العقلاء على أنفسهم) ؛ فإنَّه اشتهر في ألسنة الفقهاء ـ سيَّما المتأخِّرين ـ إسناده إلى النبيِّ (صلى الله عليه وآله). وادّعى الجواهري في كتاب (الإقرار) من كُتُبِ كتابه (جواهرُ الكلام في شرح شرائع الإسلام) ، ادّعى: أنَّه مستفيضٌ ؛ بل متواتر . بل في السرائر (ص٣٩١): (لإجماع أصحابنا المنعقد: أنَّ إقرار العقلاء جائز فيما يوجب حكماً في شريعة الإسلام) ، فهو في الحقيقة معقد الإجماع ، وهكذا عند الجماعة ، حيثُ لم نجدْ عندهم هذا المتن في مراجعهم الحديثيَّة ، بكونه حديثاً ولو ضعيفاً.
[٣] ينظر: قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث ، ص١٤٦ ، والتدريب ، ص١٩٠ ـ ١٩١ ، ومحمد الصباح ، الحديث النبوي ، ص٢٤٦ ـ ٢٤٨ . ويُنظر: الأزهار المُتناثرة في الأخبار المتواترة ، ط مطبعة دار التأليف ، القاهرة.
[٤] يُنظر: صحيح البخاري: ١/ ٢٢ ، ط١ ، باب: أثِمَ مَن كذِبَ على النبيّ(صلَّى الله عليه وسلَّم) ، حديث: ١ ، ٢ ، ٣ ، ٤ ، ٥ . وصحيح مسلم: ١/ ٩ ـ ١٠ ، باب: تغليظ الكذب على رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم) ، حديث: ١ ، ٢ ، ٣، ٤ . وأُصول الكافي: ١/ ٦٢ ؛ كتاب: فضل العلم ، باب: اختلاف الحديث ، حديث ١ . ويُنظر: مَن لا يحضره الفقيه: ٣/ ٣٧٢ ، باب: معرفة الكبائر التي أوعد الله عزَّ وجلَّ عليها النار ، حديث ١٢ . والمصدر نفسه: ٤/ ٢٦٤ ، باب: النوادر ، حديث ٤ ، وفيه: قال رسول الله(صلَّى الله عليه وآله): (يا علي ، مَن كذِب عليَّ متعمِّداً فليتبوأ مقعده من النار) . والاحتجاج للطبرسي: ١/ ٣٩٣.
وهناك مصادر أُخر أيضاً مذكورة في هامش علوم الحديث ، لصُبحي الصالح: ص٢٠.