شرح البداية في علم الدراية - الشهيد الثاني - الصفحة ٦٧ - في التواتَرِ وشروط تحقُّقه
ابن الصّلاح[١] ـ : (مَنْ سُئِل عن إبراز مثالٍ لذلك أعياه طلبه)[٢] ؛ هذا مع كثرة رواتهم ، قديماً وحديثاً ، وانتشارهم في أقطار الأرض.
قالَ: وحديثُ (إنَّما الأعمالُ بالنيَّات)[٣]
[١] عثمان بن عبد الرحمن ، المعروف بابن الصَّلاح . وُلِدَ في شرخان ، قُرب شهرزور ، سنة ٥٧٧هـ ، وانتقل إلى الموصل ثُم إلى خُراسان ، فبيت المقدس ، حيث وُلِّي التدريس في الصَّلاحية ، وانتقل إلى دمشق . ولاّه الملك الأشرف في دمشق تدريس دار الحديث ، وتوفِّي فيها سنة ٦٤٣هـ . له كتاب (معرفة أنواع علوم الحديث ـ ط) يُعرف بمقدِّمة ابن الصّلاح . ينظر: الأعلام: ٤/ ٣٦٩.
[٢] قال ابن الصلاح: (ومَن سُئل عن إبراز مثال لذلك من الحديث أعياه تطلّبه) . مقدّمة ابن الصلاح ، ص ٣٩٣.
[٣] هكذا ورد الحديث في صحيح البخاري(١/ ٢ ، ط١ ، ١٣٠٤هـ) ، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله؟ وجاء فيه: حدَّثنا الحميدي قال: حدّثنا سفيان قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأنصاري قال: أخبرني محمّد بن إبراهيم التيميّ: أنَّه سمع علقمة بن وقَّاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطَّاب (رضي الله عنه) على المنبر قال: سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم) يقول: (إنَّما الأعمالُ بالنيِّات ، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى ، فمَن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ، أو إلى امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه) . كما جاء في هذا البخاري أيضاً حاشية للسَّـنديّ جدُّ محترمة ، حول قيمة هذا الحديث ، وأوَّليَّـته في مقدمات الأعمال . ينظر: صحيح البخاري: ١/ ٢ ـ ٣.
هذا ، وقد ورد الحديث أيضاً في صحيح مسلم(م٣/ ١٥١٥ـ ١٥١٦) ، غير أنَّ لفظ: (النيَّة) ، جاءت فيه بدلاً من: (النيَّات) ، وعبارة: (لكلّ امرئ) ، بدلاً من: (لامرئٍ) ، وزيادة جملة: (فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله) ، قبل جملة: (ومن كانت هجرته لدينا...).
نعم ، الذي جاء في صحيح البخاري(١/ ١٤) هو المطابق لِمَا في صحيح مسلم(٣/ ١٥١٥).
وقال خادم السُّـنَّة ، محمد فؤاد عبد الباقي ، في هامش صحيح مسلم(٣/ ١٥١٥):
(أجمع المُسلمون على عظم موقع هذا الحديث، وكثرة فوائده وصحَّـته . قال الشافعي وآخرون: هو ثلث الإسلام . وقال الشافعي: يدخل في سبعين باباً من الفقه . وقال آخرون: هو ربع الإسلام . وقال عبد الرحمان بن مهديّ وغيره: ينبغي لمَن صنَّف كتاباً أن يبدأ فيه بهذا الحديث ؛ تنبيهاً للطالب على تصحيح النيَّة . ونقل الخطّابي هذا عن الأئمة مطلقاً ، وقد فعل ذلك البُخاري وغيره ، فابتدأوا به قبل كلِّ شيء ، وذكره البخاري في سبعة مواضع من كتابه . قال الحُفَّاظ: ولم يصح هذا الحديث عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وسلَّم) إلاّ من رواية عمر بن الخطَّاب! ولا عن عمر إلاّ من رواية علقمة بن وقَّاص! ولا عن علقمة إلاّ من رواية محمد بن إبراهيم التيميّ! ولا عن محمد إلاّ من رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ! وعن يحيى أنتشر!! فرواه عنه أكثر من مائتي إنسان ، أكثرهم أئمَّة ؛ ولهذا قال الأئمَّة: ليس هو متواتراً ، وإن كان مشهوراً عند الخاصة والعامّة ؛ لأنَّه فقد شرط التواتر في أوَّله.
وفيه طُرفة من طُرَف الإسناد ؛ فإنَّه رواه ثلاثة تابعيُّون ، بعضهم عن بعض: يحيى ، ومحمّد ، وعلقمة . قال جماهير العُلماء ـ من أهل العربيّة والأصول وغيرهم ـ : لفظة (إنَّما) موضوعةٌ للحصر ، تثبِت المذكور وتنفي ما سواه ؛ فتقديرُ هذا الحديث: إنَّ الأعمال تحسب إذا كانت بنِيّة ، ولا تُحسب إذا كانت بلا نيَّة...) . ويُلاحظ أيضاً: فتح الباري: ١/ ٨ ـ ٩.