شرح البداية في علم الدراية - الشهيد الثاني - الصفحة ٥٩ - في القطع وخفائهِ
الحقلُ الخامسُ:
في القطع وخفائهِ[١]
ثُمّ الخبر: إمَّا أن يُعلَم صِدقُه قطعاً ، أَو كذبُه كذلك ، أو يخفَى الأمران[٢] . والعِلمُ بهما: قد يكون ضروريّاً ، وقد يكون نظريّاً . فهذهِ خمسةُ أقسامٍ ، أشارَ إلى تفصيلها بقوله: إنَّ الخبرَ:
قد يُعلَمُ صِدقُهُ قَطعاً
أ ـ ضرورةً
١ ـ كالمتواتر لفظاً ، وسيأتي تفسيرُهُ .
والحُكمُ بكونِ العلمِ به ضروريّاً مذهبُ الأكثر . ومستندُهُ: أنَّه لو كانَ نظريَّاً ، لَمَا حَصَلَ لِمَن لا يكونُ من أهلِه كالصِّبيانِ والبلَّه[٣] ، ولافتَقَر إلى الدَّليل ، فلا يحصلُ لِلعوامّ[٤] ؛ لكنَّه حاصِلٌ لهم ، فيكونُ ضروريّاً.
[١] الذي في النسخةِ الخطِّـيَّة (ورقة ٦ ، لوحة ١ ، سطر ١٢): (ثم الخبر) فقط ؛ بدون: (الحقل الخامس: في القطع وخفائه).
[٢] ينظر: كتابُ الكفاية في علمِ الرواية ، للخطيب البغدادي ، ص١٧.
[٣] في الخبر: (أكثرُ أهل الجنّة البُلَّه) . البُلّه: جمع الأبله ، وهو الذي فيه البَلَه (بفتحتين) ؛ يعني الغفلة . والمُراد: الغافِل عن الشّر ، المطبوع على الخير . وقيل: البُلَّه ـ هنا ـ : هم الذين غلَبَتْ عليهم سلامةُ الصدور ، وحُسنُ الظنِّ بالناس ؛ لأنَّهم غفلوا عن دُنياهم ، فجهلوا حِذق التصرُّف فيها ، وأقبلوا على آخرتهم فشغلوا أنفسهم بها ، واستحقّوا أن يكونوا أكثر أهل الجنّة . فأمَّا الأبله الذي لا عقل له ، فليس بمُراد . مجمع البحرين: ٦/ ٣٤٣.
[٤] العامّة: خَلافُ الخاصّة ، والجمع: عوامّ ؛ مثل: دابّة ودوابّ ، ومنه: (نتوب إليك من عوامّ خطايانا) . والنسبةُ إلى العامّة: عاميّ ؛ والهاء في: عامّة ، للتأكيد . وقوله: (لا يُعذّبُ اللهُ العامّةَ بعمل الخاصّة) ؛ أي لا يُعذّبُ الأكثر بعمل الأقلّ . وفي الحديث: (خُذ ما خالف العامّة) يعني: أهل الخلاف ، وقد ذهب عامّة النهار ؛ أي جميعه . مجمع البحرين: ٦/ ١٢٤.
وأقولُ: العوام كذلك: مَنْ لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد كما في قوله(عليه السلام): (.... وأمَّا مَن كان من الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه ، مخالفاً على هواه ، مطيعاً لأمرِ مولاه ؛ فلِلعوام أن يقلِّدوه ؛ وذلك لا يكون إلاّ بعض فقهاء الشيعة لا كلّهم) . ينظر: الاحتجاج للطبرسي: ٢/ ٢٦٣ ـ ٢٦٤ ، ووسائل
الشيعة: ١٨/ ٩٤ ، وتفسير العسكري ، ص١٤١.
والنتيجة ـ فيما يبدو ـ أنَّ العوامّ: مَنْ هُم دون المستوى المطلوب ؛ إنْ في عمق ثقافتهم ، وإنْ في حذق تصرُّفهم . وبتعبير آخر: مَن هم في مهامِّ الحياة في مرحلةِ التقليد ، لا التحقيق.