شرح البداية في علم الدراية - الشهيد الثاني - الصفحة ١٤٤ - في المُعلًَّل
الحقل الرابع:
في المُعلًَّل[١]
ومعرفته من أجلِّ علوم الحديث وأدقِّها.
ـ ١ ـ
وهو: ما فيه من أسبابٍ خفيَّةٍ غامضةٍ قادحةٍ في نفس الأمر ؛ وظاهره: السلامة منها ؛ بل الصحّة.
وإنَّما يتمكَّن من معرفة ذلك أهلُ الخبرة بطريق الحديث ومتونه[٢] ، ومراتب الرواة الضابطة لذلك ، وأهل الفهم الثاقب في ذلك.
ـ ٢ ـ
ويستعان على إدراكها ـ أي العلل المذكورة ـ: بتفرُّد الراوي بذلك الطريق ، أو المتن الذي يظهر عليه قرائن العلّة ، وبمخالفة غيره له في ذلك ، مع انضمام قرائن تنبِّه العارف على تلك العلّة من إرسالٍ في الموصول ، أو وقف في المرفوع ، أو دخول حديث في حديث ، أو وهم واهم ، أو غير ذلك من الأسباب المعلّة للحديث ؛ بحيث يغلب على الظنّ ذلك ، ولا يبلغ اليقين ، وإلاّ لحقه حكم ما تيقّن من إرسال أو غيره ، فيحكم به ، أو يتردَّد في ثبوت تلك العلّة ، من غير ترجيح يوجب الظنّ ، فيتوقّف.
ـ ٣ ـ
وهذه العلة عند الجمهور ، مانعة من صحّة الحديث ، على تقدير كون ظاهره الصحّة ، لو لا ذلك ، ومن ثَمَّ شرطوا في تعريف الصحيح: سلامته من العلَّة[٣].
وأمَّا أصحابنا ، فلم يشترطوا السلامة منها ؛ وحينئذٍ فقد ينقسم الصحيح إلى معلَّل وغيره ، وإنْ ردَّ المعلَّل كما يرد الصحيح الشاذّ ، وبعضهم وافقنا على هذا أيضاً ، والاختلاف في
[١] وقد ألَّف فيه من جهابذة الحديث جماعة ، منهم: الإمام أحمد ، والبخاري ، ومسلم ، والترمذي ، ... . ينظر: الخُلاصة في أصول الحديث ، ص٧٣ ـ ٧٤ ، والباعث الحثيث ، ص٦٤ ـ ٧٢ (جمعاً بين المتن والهامش).
وفي النسخة الخطِّـيَّة المعتمدة (ورقة ٣٤ ، لوحة ب ، سطر ٣ ): (الرابع: المعلّل) فقط ، بدون: (الحقل الرابع: في المعلّل).
[٢] قال الطيبيّ: (ومثال العلّة في المتن: ما انفرد مسلم بإخراجه في حديث أنس ، من اللفظ المصرَّح ، ينفي قراءة (بسم الله الرَّحمان الرحيم) ... . الخلاصة في أصول الحديث ، ص٧٢.
[٣] ينظر: الخلاصة في أصول الحديث ، ص٣٥ ، والباعث الحثيث ، ص٢١.