الفردوس الأعلى - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٧١ - وحدة الوجود أو وحدة الموجود
ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل [١]
و قد تضمنت هذه الكلمة في طياتها كل ما قاله العرفاء الشامخون من أنّ الأشياء أعدام؛ إذ ليس الباطل إلاّ العدم، و ليس الحق إلاّ الوجود، فالأشياء كلها باطلة و أعدام، و ليس الحي و الموجود إلاّ واجب الوجود.
و هذا كل ما يقوله و يعتقده أولئك القوم، أفاض اللّه سبحانه هذه الكلمة على لسان ذلك الشاعر العربي الذي عاش أكثر عمره في الجاهلية، و أدرك في أخريات حياته شرف الإسلام فأسلم، و قد صدق تلك الجوهرة الثمينة الصادق الأمين، و مثلها كلمة ولده صادق أهل البيت-سلام اللّه عليه-: «العبودية جوهرة كنهها الربوبية» ، بل لو أمعنت النظر في جملة من مفردات القرآن المجيد تجدها وافية بذلك الغرض واضحة جلية، مثل قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ [٢] ، و كُلُّ شَيْءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ [٣] ، فإنّ المشتق حقيقة فيمن تلبّس بالمبدإ حالا، فكل شيء فان فعلا و هالك حالا، لا أنه سوف يهلك و يفنى.
و مهما أحاول أن أوضح الحقيقة أجدها عني أبعد من الشمس، بيد أنها أجلى منها، و أنى لهذا اليراع القصير و العقل الصغير أن يجرأ فيتناول جرعة من ذلك البحر الغزير، يا من بعد في دنوّه، و دنى في علوه، ربّنا عليك توكلنا و إليك أنبنا و إليك المصير، سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، و فوق ما يقول القائلون، و إنا للّه و إنا إليه راجعون.
[١] -و المصرع الثاني قوله: «و كل نعيم لا محالة زائل» ، و بعده هذا البيت:
سوى جنة الفردوس أن نعيمها # يدوم و أن الموت لا بد نازل
[٢] -سورة الرحمن، الآية ٢٦.
[٣] -سورة القصص، الآية ٨٨.