الفردوس الأعلى - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٥٦ - الجواب
الذين يشربون الخمر، و يأكلون لحم الخنزير، و يرتكبون المعاصي، و يتوغلون في الملاهي يصير بدنهم قويا سمينا، و لكنّ الأمراض الأخلاقية النفسانية كقساوة القلب و مسلوبية الغيرة و زوال الحمية و أمثالها تعرض لنفوسهم، بحيث تحطهم من المرتبة الإنسانية إلى أخسّ مراتب الحيوانات، فتظهر منهم أفعال السباع، و أوصاف البهائم أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاََّ كَالْأَنْعََامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [١] ، و قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ فَهِيَ كَالْحِجََارَةِ .
و خلاصة المقال أنّ الإنسان بحسب تلك المراتب من اللطافة و الصفاء، و في أي مرتبة كان من المراتب و المقامات يحصل بموته أثر في جسمه بحيث ينتقل و يسري ذلك الأثر إلى الجسم الآخر المباشر له و المماس ببدنه، و يوجب المضرّة العظيمة و المفسدة المهمة، إما المضرّة الجسمية أو الروحية النفسية، أو كليهما، و اللازم في نظر الشارع دفعها و يجب رفعها، و لا يمكن ذلك في نظره أيضا إلاّ بغسل جميع البدن لعلة سراية ذلك الأثر لمعظم البدن، بخلاف ميتة الكلب و أمثاله، فإنّ الكثافات التي في روحه و بدنه ليست بمرتبة تسري و تنفذ في مسامات بدن الإنسان بمجرد مماسته لميتته، و لا يتجاوز من سطح ظاهر بدن المباشر إلى باطنه، و لذلك يجب غسل الموضع الملاقي فقط.
و يؤيد هذا الاعتبار، و يقرّب هذا البيان و التقرير، الخصوصيات و القيود التي اعتبرها الشارع في هذا الحكم، أعني وجوب غسل المس، فإنه أوجب ذلك بعد البرد و قبل التغسيل؛ لأنّ قبل برودة البدن لا يصل الفساد المترتب على المس إلى تلك المرتبة الموجبة لغسل البدن بأجمعه بواسطة بقاء أشعة الحياة في البدن، و عدم زوالها بتمامها، و أما بعد التغسيل فمن جهة أنّ الجواهر أو الأبخرة
[١] -سورة الفرقان، الآية ٤٤.