الفردوس الأعلى - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٥٤ - الجواب
الشامخة، منه المبدأ و إليه المنتهى كَمََا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ .
و إلى هذا المعنى أشار سيد الموحدين و غاية العارفين بقوله: «و فيك انطوى العالم الأكبر» .
فإذا من هنا يعلم أنّ الإنسان خلاصة الكائنات و زبدة الممكنات، و نتيجة العوالم، و لا بدّ أن تكون روحه من ألطف الأرواح، و جسمه من ألطف جميع الأجسام، و حين انفصال هذه الروح من بدنه و قطعها علائقها من جسمه التي بها حياة البدن، و صحته قائمة بها يفسد البدن و الدم لا محالة، و بفسادهما تفسد البخارات السارية و الدسوم المنتشرة في البدن لانفصال تلك الروح المحافظة لجميع شئون البدن و مواده.
و من الممكن أن يقال حينئذ: إنّ في تلك الأبخرة و الدسوم جواهر في غاية الدقة و اللطافة، و جراثيم في نهاية الدقة و النفوذ التي يعبّر عنها في لسان الفلسفة الطبيعية الجديدة «ميكروبات» ، و هذه الجواهر اللطيفة الفاسدة هي في الحقيقة جواهر الموت، بناء على ما هو التحقيق من أنّ الموت و الحياة أمران وجوديان لا أنهما وجود و عدم، كما يدل على ذلك قوله تعالى: اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتَ وَ اَلْحَيََاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [١] .
و هذه الجواهر الشفافة من غاية لطافتها و النفوذ الموجود فيها إذا مسّها بعض أعضاء الإنسان الحيّ نفذت حالا في جميع مسامات بدنه من دون أدنى تأخير في البين، و تسري إلى دمه، و يصير هذا سببا لابتلائه بأنواع الأمراض الجسمانية أو النفسانية من الأخلاق الرذيلة و الملكات القبيحة و الصفات
[١] -سورة الملك، الآية ٢.