الفردوس الأعلى - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٥٢ - الجواب
قو بين هذه الأجسام المتمايزة بحسب الفصول شيء مشترك من الجسم قابل لانضمام كل من الهيئات إليه.
فتحقق بالتنقيب و التحليل الصحيح بحيث لا يشوبه شيء من الدجل: أن في جسم المدرة أشياء عديدة، مقدار خاص، و اتصال عرضي و هو المقدار المطلق الذي يعرضه خصوصية المقدار، و صورة المدرية المميزة المدرة عن صورة النخلة مثلا، و شيء مشترك قابل لطريان الصور و عروضها.
فهذه أمور أربعة: أولها الشكل، و ثانيها الكم المتصل، و ثالثها الصورة الجوهرية، و رابعها المادة الجوهرية، و الأولان عرضيان، و الأخيران جوهريان، و الأخير-أي المادة-هي الهيولى، و الثالث الصورة، فالهيولى وراء الجوهر أمر جسمي مشترك بين جميع أنواع الأجسام و ليس إلاّ قابلا، و مرتبة القابلية للصور و الفعلية موقوفة على الصورة، و لذا قلنا: إنّ الهيولى تلازم الصورة.
هذا ما فهمنا في تصوير الهيولى و الصورة و هو تنقيح ما يظهر من كتاب الشفاء للشيخ الرئيس ابن سينا، مع بيان بعض الأساتذة الأعاظم، و لا أظن بقاء شبهة بعد هذا البيان في فهم معنى الهيولى و مرتبتها، فنسبة الهيولى إلى الأمور الجسمية الخارجية نسبة الجنس إلى المفاهيم المعقولة الذهنية، كما صرح به رئيس فلاسفة الإسلام في إلهيات الشفاء.
ثمّ إنه غير خفي على الباحث المنقب أنّ التعبير عن الأمر الجسمي المشترك بين جميع أنواع الأجسام بـ «الهيولى» اصطلاح للفلاسفة الأقدمين، و أما الفلاسفة في الأعصار المتأخرة فهم يعبرون في الأغلب عن ذلك الأمر بالمادة و القوة، أو الأثير، أو «اتوم» ، أو الجواهر الفردة، أو تحولات الحركة، على اختلاف آرائهم و تشتت أقوالهم و أفكارهم حتى اليوم.
و الأقدمون مع قولهم بالهيولى قائلون بالصانع القديم القادر المختار؛ إذ لا تنافي بين القول بالهيولى و الصانع المختار كما هو رأي حكمائنا الإسلاميين الذين وصلوا إلى القمة العليا و الدرجة القصوى في الإلهيات.
و أما الفلاسفة الماديون في هذا العصر التعيس مع تشتت آرائهم و تناقض أقوالهم يظهر من كلماتهم أنهم يدعون عدم العلم بما وراء الطبيعة و المادة، فإنهم من كثرة انهماكهم و توغلهم