الفردوس الأعلى - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٣
قالعصور المشرقة التي حوت على بعض المزايا الخالدة و الثمار اليانعة في هذه الجامعة، يوم ناهز فيها عدد طلاب العلوم الدينية عشرة آلاف نسمة، و اجتمع فيها جم غفير من فطاحل الفقهاء و المجتهدين و رؤساء الدين، و كانت الحرية التامة في دراسة العلوم من معقولها و منقولها، و التوسع في اقتنائها و تحصيلها على أنواعها سائدة على تلك الجامعة، و فتحت طرقات سهلة في التحليل و التحري العلمي و تنوير الأفكار في البحث و التنقيب النظري، و اجتمع فيها أيضا جمع من أكابر الحكماء المتشرعين و العرفاء الشامخين و المربين للنفوس بالحكمة العملية و الدراسة العلمية، و بتخلقهم بأخلاق اللّه، و بخشيتهم في جنب اللّه، و بتحليهم بالفضائل الإنسانية، و ما كان من نياتهم إلاّ خدمة البشرية مع مراعاتهم الطريقة المثلى و الشرعة الوسطى في بحوثهم القيمة و دروسهم العالية، و تجنبهم عن الجمود و الوقوف عن تحصيل العلوم و الرجوع إلى القهقرى.
و ممن رحل إلى هذه الجامعة و أقام مدة فيها من فحول أبطال العلوم العقلية و النقلية، و أساتذتها الأفاخم هو العلامة الحكيم و الفقيه الشهيد الشيخ محمد باقر الشيرازي الاصطهباناتي، الفائز لدرجة الشهادة حينما وقع هدفا للرصاص في حسينية «قوام» بشيراز سنة ١٣٢٦ هـ، (وقفنا على تأريخ حياة هذا الفقيه الحكيم-على نحو التحقيق و التفصيل، و كيفية شهادته و خدماته الدينية، و ترويجه للشريعة، و قيامه للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أحسن قيام، بعد أن قفل عن النجف الأشرف إلى وطنه-في سفرنا إلى شيراز قبل عدة سنين، و كتب لنا تأريخ شئون حياته أيضا نجله الجليل بخطه، و نقلناه بطوله في بعض مجاميعنا، و كان من تلامذته و خاصته، بل صاحب أسراره حضرة سيدي الوالد الماجد المرحوم-قدس اللّه روحه-و سمعت أشعة من ترجمة حياته منه قدّس سرّه أيضا) .
كان قدّس سرّه مدرسا في المعقول و المنقول، و ماهرا في تدريس الحكمة المتعالية على طريقة صدر المتألهين قدّس سرّه، درس العلوم الفلسفية و المعارف الإلهية و الأصول الكلامية على تلاميذه الكثيرين متنا و خارجا، و اجتمع للارتشاف من نمير حكمته جم غفير من الأعلام و الزعماء الكبراء من ظماء العلوم و الفضائل و في طليعتهم شيخنا الإمام العلامة أدام اللّه ظلاله و أيامه، كما ترشحت الإشارة به من قلمه الشريف في ذيل صفحة ٣٣ ج ١ من كتابه القيم النفيس «الدين و الإسلام» عند ذكره ترجمة موجزة لصدر المتألهين صاحب الأسفار