البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٦١ - الجواب عن هذا الدليل
بالمصادرة [١]، و هذه الدعوى عبارة عن كون التمايز بين العلوم فرع التمايز بالموضوعات [٢]، و الأمر إنما يكون كذلك فيما لو افترضنا و فرغنا عن ضرورة وجود موضوع لكلّ علم مع إن هذا أوّل الكلام. و الوجه في كون الاستدلال أشبه بالمصادرة
هو: إننا لو لم نفرغ عن ضرورة وجود موضوع لكلّ علم و لم يتسنى لنا إثبات ذلك فلا بدّ في هذه الحالة من أن يكون التمايز قائماً على أساس آخر كالغرض [٣]- مثلًا-؛
[١] المصادرة: بمعنى أن يكون الدليل عين المدّعى، و في المقام و إن لم يكن هذا النحو من الاستدلال منطوياً على مصادرة واضحة و لكنه أشبه بالمصادرة، حيث أن معرفة كون تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها فرع معرفة وجود موضوع واحد لكل علم يتميّز عن موضوع غيره.
و في المقام نرى أنّ المستدل قد استدلّ بشيء غير مسلّم، و هو عبارة عن كون التمايز بين العلوم بالموضوعات، مع أنَّ تسليم ذلك لا يتم إلّا بالتسليم بثبوت المدّعى فكيف يستدل به على ذلك؟!
[٢] وقع الخلاف بين المحققين في أنّ التمايز بين العلوم هل يكون بالموضوعات؟ أو بالمحمولات؟ أو بالأغراض؟ ذهب المشهور إلى أن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، بحسب ما ذكره المحقق النائيني حيث قال في فوائد الأصول، المجلد الأول، ص ٤٢: «إنّ المشهور ذهبوا إلى أنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، و ذهب بعض إلى أن تمايز العلوم بتمايز الأغراض و الجهات التي دوّن لأجلها العلم». و المحقّق النائيني قد ذهب إلى ما ذهب إليه المشهور. و هو ما اختاره السيد الشهيد أيضاً. راجع بحوث في علم الأصول: ج ١ ص ٢٤ و ٣٤، و ذهب المحقق العراقي إلى أن تمايز العلوم بتمايز الأغراض حيث قال في نهاية الأفكار ج ١، ص ١٢: «و حينئذٍ فصحّ لنا بعد البيان المزبور دعوى أن تمايز العلوم بقول مطلق بتمايز الأغراض الداعية على تدوينها لا بتمايز موضوعاتها». و هو مختار صاحب الكفاية أيضاً: راجع كفاية الأصول: ص ٢٢
[٣] كأن يقال: بما أن الغرض من كلّ علم يختلف عن الغرض من العلم الآخر، فالتمايز يكون بحسب الغرض الذي من أجله دوّن ذلك العلم، و ليس من الضروري أن يكون التمايز بين العلوم بالموضوعات. فنحن نستطيع أن نميّز علم النحو عن علم الأصول على أساس الغرض الذي من أجله دوّن كلٌ منهما، حيث إن الغرض من علم النحو هو صيانة اللسان عن الخطأ في النطق، و الغرض من علم الأصول هو تهيئة القواعد التي يتم من خلالها استنباط الأحكام الشرعية الكلّية؛ فالغرض من أحدهما يختلف عن الغرض من الآخر، فيكون ذلك هو المائز بينهما.