الاجتهاد والتقليد - الصدر، السيد رضا - الصفحة ٢٥١ - المسألة ١٣ تقديم الأورع
قد مرّ الكلام مشبعاً في حكم التخيير بين المتساويين في العلم سابقاً فلا نعيد.
و أمّا الوجه في تقديم الأورع على الورع فقد حكي عن المحقّق الثاني دعوى الإجماع عليه [١]، و يمكن الاستدلال عليه بقوله (عليه السلام) في خبر داود بن حصين: «ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و أورعهما فينفّذ حكمه، و لا يلتفت إلى الآخر» [٢]، و مثله مقبولة عمر بن حنظلة، [٣] و روى أيضاً: بأنّه لا يحلّ الفتيا إلا لمن كان أتبع أهل زمانه برسول الله [٤]، الحديث، و قال صاحب المستمسك: «و يقتضيه أصالة التعيين الجارية عند الدوران بينه و بين التخير» [٥].
أقول: أمّا الإجماع فلدعوى عدم ثبوته مجال، و الشاهد عليها كلام المرتضى في الذريعة. [٦] و قد حكيناه سابقاً، و على فرض تسليم ثبوته فالكلام في تعبّديّته.
و أمّا الخبران فقد مرّ بيان اختصاصهما من حيث الدلالة بقاضي التحكيم، فإسراء الحكم منه إلى المفتي مع ما بينهما من الفروق محتاج إلى الدليل.
و أمّا الرواية فمع ما فيها من الإرسال أنّ ظهورها خلاف لأقوال الأئمّة «و سيرتهم؛ إذ لو كانت الفتيا غير جائزة إلا لمن كان أتبع أهل زمانه لرسول الله فكيف كانوا يرشدون إلى رجلين من فقهاء صحابتهم؟! مع أنّ الاستحالة العادية قاضية في المساواة في الورع، مضافاً إلى أنّ الرواية غير معمول بها بين الأصحاب؛ فإنّ كثيراً من الأصحاب قائلون بتقديم الأفضل على الكلّ، و الأورع داخل في المفضّل عليه، فالأولى حملها على تحريض المفتي إلى الورع.
[١] حكاه السيّد الحكيم في المستمسك، ج ١، ص ٣١؛ راجع دروس في فقه الشيعة، ج ١، ص ٩٤.
[٢] وسائل الشيعة، ج ٢٧، ص ١١٣، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي، ح ٢٠؛ الفقيه، ج ٣، ص ٥ ح ١٧؛ تهذيب الأحكام، ج ٦، ص ٣٠١، ح ٨٤٣.
[٣] وسائل الشيعة، ج ٢٧، ص ١٠٦، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي، ح ١.
[٤] دروس في فقه الشيعة، ج ١، ص ٩٤.
[٥] المستمسك، ج ١، ص ٣١.
[٦] الذريعة إلى أُصول الشريعة، ج ٢، ص ٣١٧.