الاجتهاد والتقليد - الصدر، السيد رضا - الصفحة ٢٠ - تصدير
كتابه الكريم؛ فإنّها البيان له و التفصيل. فكان يدأب في بثّ شريعته، و نشر دعوته من يوم بعثته إلى يوم رحلته سرّاً و جهاراً و ليلًا و نهاراً، و أودع النّبي الكريمُ هذه الأحكام الإلهية، و الشرائع الكافلة للسعادة الإنسانية عند أهل بيته الطيّبين، و عترته المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين)، فقد صدع بذلك في نصوص محكمة، و كلمات جامعة متواترة.
و لا يخفى أنّ صحابتهُ كانوا مختلفين في فهم نصوص الكتاب و السنّة حسب اختلافهم في الأفهام و القرائح؛ اقتضاءً للطبيعة البشريّة، و قد يسمع صحابي حكماً من الشارع في واقعة فقد سمع صحابي آخر في مثلها خلافه، و تكون هناك خصوصيّة في إحدى الواقعتين تقتضي تغاير الحكمين، و غفل أحدهما عن الخصوصيّة، أو التفت و غفل عن نقلها مع الحديث، فيقع التعارض في الأحاديث ظاهراً، و لا تنافي واقعاً.
و لمثل ذلك احتاج الأصحاب أنفسهم في معرفة الأحكام إلى الاجتهاد، و النظر في الأحاديث، و ضمّ بعضها إلى بعضها، و الالتفات إلى القرائن الحاليّة، فقد يكون للأحكام ظاهر و مراد الشارع خلافه؛ اعتماداً على قرينة كانت في المقام، و لكنّ الحديث نقل و القرينة لم تنقل.
و كان الصحابي الذي من أهل الفتوى و الرواية تارة يروي نفس ألفاظ الحديث للسامع من بعيد أو قريب، فهو في هذا الحال رأو محدّث، و تارة أُخرى يذكر الحكم الذي استفاده من حديث، أو من الأحاديث حسب نظره، و اجتهاده، فهو في هذا الحال مفت و صاحب رأي، و أهل هذه الملكة هم المجتهدون، و سائر المسلمين الذين لم يبلغوا هذه المرتبة إذا أخذوا برأيه هم المقلّدون، و كلّ ذلك قد جرى في زمن صاحب الرسالة (صلوات الله و سلامه عليه)، و بمرأى منه و مسمع.
و من يعط النظر حقّه في تأريخ فقه الإسلام و مبدئه يتّضح له أنّ باب الاجتهاد كان مفتوحاً منذ عصر النبوّة، و بين الأصحاب فضلًا عن غيرهم، و فضلًا عن سائر الأزمنة، فلا فقه إلا بالاجتهاد، و المجتهد هو الفقيه. و القول بسدّ باب الاجتهاد بين الصحابة يلازم القول بنفي الفقاهة عنهم، و من المعلوم أنّه كان بينهم فقهاء علماء.
إنّ الاجتهاد في ذلك اليوم كان خفيف المئونة جدّاً؛ لقرب العهد، و توفّر القرائن، و إمكان السؤال المفيد للعلم القاطع.
ثمّ كلّما بعد العهد من زمن الحضور، و تكثّرت الآراء، و صعب الفهم للكلام العربي على حاقّ