الاجتهاد والتقليد - الصدر، السيد رضا - الصفحة ٣١٣ - هل المروءة معتبرة في العدل؟
اعتبارها في العدالة حتّى يكون البحث على بصيرة، فنقول: إنّ أكثرهم لم يفسّروا المروءة في كلماتهم حقّ التفسير، و اكتفوا لها بالمثال، و قد مرّ عليك كلام الشيخ و ابن إدريس في أوائل البحث.
قال صاحب الحدائق:
فسّروا المروءة باتّباع محاسن العادات، و اجتناب مساوئها، و ما تنفر عنه النفس من المباحات، و يؤذن بدناءة النفس و خسّتها كالأكل في الأسواق و المجامع، و البول في الشوارع، و كشف الرأس في المجامع، و تقبيل الزوجة أو الأمة في المحضر، و لبس الفقيه لباس الجندي، و المضايقة في اليسير الذي لا يناسب الفقيه [١].
أقول: إنّ الذي يؤذن بدناءة النفس و لؤمها هو المثال الأخير فقط دون البقيّة، و إنّ بعض هذه الأمثلة يكشف عن قلّة العقل فلا صلة له بالعدالة.
ثمّ إنّ محاسن العادات و مساوئها مختلفة بحسب الأقوام و الأعصار و البلاد، بل بالنسبة إلى الأفراد، بل بالنسبة إلى شخص واحد في حال دون حال.
ثمّ قال (قده):
إنّ اعتبار المروءة في العدالة يدفعه ما ورد عنه: أنّه كان يركب الحمار العاري، و يردف خلفه، و أنّه كان يأكل ماشياً إلى الصلاة بجمع من الناس في المسجد، و أنّه كان يحلب الشاة، و نحو ذلك. [٢] و نظير هذا الكلام ما ورد من إظهار حبّه لبنته الصدّيقة و الحسنين»، و حملهما على نفسه الكريمة حال الصلاة، حال كونه إماماً للجماعة.
و التحقيق: أنّ هذه السيرة غير دالّة على عدم اعتبار المروءة في العدالة لما عرفت من اختلاف العادات بحسب الأشخاص و الأزمان و البلاد، فقد تكون عادة تنافي المروءة بحسب رجل و لا تنافي المروءة بحسب رجل آخر.
و من المعلوم: أنّ المصلح العظيم الذي يقصد كسر أصنام الجاهليّة و السنن الوثنيّة
[١] الحدائق، ج ١٠، ص ١٥.
[٢] الحدائق، ج ١٠، ص ١٦.