الاجتهاد والتقليد - الصدر، السيد رضا - الصفحة ١٠٠ - الاستناد إلى فتوى المفتي في التقليد
فما لم تصل الحجّة لا حجّيّة لها، و لا يخفى أنّ وصول الحجّة عبارة عن العلم بها. و قد مرّ عليك أن الحجّيّة من الأُمور التي يكون وجودها الواقعي تابعاً لوجودها العلمي. هذا كلّه حكم العمل المخالف للواقع في صورة وحدة المفتي.
و أمّا الحال في صورة تعدّد المفتي فنقول: إن كان المجتهدون متّفقين في الفتيا فحال هذه الصورة حال وحدة المفتي. و إذا قيل باعتبار الاستناد في هذه الصورة. فالتحقيق كفاية الاستناد إلى الجميع أو إلى الجامع، أو إلى أحدهما المعين؛ لإطلاق الحجّة. و أمّا الاستناد إلى المجموع فقد قال بعض: إنّه لا مصحّح له؛ لمنافاته مع حجّيّة كلّ واحدة منها بالاستقلال.
أقول: لازم كلامه دام ظلّه عدم صحّة الاستدلال بالنصوص المتواترة إجمالًا، و العلم بصدور أخصّها مضموناً جهة تعليليّة للاستدلال بمجموعها.
و نقول في حلّ الإشكال: إنّ استقلال الحجّة عبارة عن عدم اشتراط حجّيّتها بشيء بأن تكون لا بشرط في الحجّيّة؛ فلا يضرّ الاستناد بمجموع الحجّتين المستقلّتين؛ فإنّ الحجّيّة المستقلّة تجاه الحجّيّة التخييريّة و هي التي تكون حجّيّتها مشروطة بعدم انضمام عدلها إليها، فالأقوى جواز الاستناد إلى المجموع، و إذا كان المفتون مختلفين في الفتيا، فالاستناد لازم؛ لأنّ الحجة التخييريّة مقيّدة بالاختيار.
و اعلم أنّ جميع هذه الصور مفروض فيها علم العامّي باتّفاق المفتين في الفتوى أو باختلافهم؛ و أمّا في صورة شكّ العامّي في ذلك فالأقوى اعتبار الاستناد؛ للشكّ في إطلاق الحجّة، أو في تقيّدها بالاختيار؛ إذ على فرض الاتّفاق فالحجّة مطلقة، و على فرض الاختلاف فهي مشروطة بالاختيار، فيجب الأخذ بالمتيقّن؛ إذ لا حجّيّة لمشكوك الحجّيّة. كما مرّ.