الاجتهاد والتقليد - الكجوري الشيرازي، محمد مهدي - الصفحة ١٩٧ - المقام الرابع في المعاملات، فهل الجاهل معذور فيها أم لا؟
و العجب من الفاضل القمي (رحمه اللّه) حيث قال: إنّ المراد بقوله (عليه السلام) لم يعص اللّه أنّ العبد أتى بمقتضيات صحّة العقد، فلم يعص اللّه مجاز عن الإتيان بمقتضيات الصحّة؛ و عن الامتثال بما جعل اللّه سببا لصحّة العقد.
و يرد عليه أوّلا: أنّه ارتكب المجاز في قوله «لم يعص اللّه» و على ما قلنا من أنّ المراد به أنّه لم يعص اللّه بالذات بل بواسطة عصيان المولى، يلزم التقييد و التقيد أولى من المجاز.
و ثانيا: سلّمنا، لكنّه يلزم على ما قاله التفكيك بين قوله «لم يعص اللّه» و «عصى سيّده» في المعنى، بأنّ حكم ببقاء «عصى سيّده» على معناه و حمل قوله «لم يعص اللّه» على الإتيان بمقتضيات الصحّة؛ و هو ظاهر.
و ثالثا: أنّ مجازنا أقرب المجازين عرفا، على أنّه يمكن أن يقال: إنّه يلزم على ما قاله أن يكون كلّ عقد وجد فيه مقتضيات الصحّة من الإيجاب و القبول صحيحا، مع أنّ ما حرّمه اللّه بالذات عقده فاسد كائنا ما كان من الأقسام الثلاثة التي ذكرت سابقا، إلّا أن يقال: إنّ البيع منصرف عن هذه البيوع، فلا يلزم هذه المفسدة.
و بعد ما عرفت أنّ النهي في المعاملات لا يقتضي الفساد بمجرّد النهي، بل إنّما يقتضيه في بعض الأقسام الدليل الخاص، فنقول: إنّ الجاهل بمسائل العقود إذا تصدّى لعقد، فلينظر في أنّه إن كان ممّا لم يحرّمه اللّه بالذات و كان شرائط الصحّة موجودة، ككونه مملوكا و طلقا، و ممّا يملك في عقد البيع و نظائره، و كونه ممّن يجوز تزويجه في النكاح مثلا، و كونها خالية من الحيض مثلا في الطلاق، و هكذا؛ صحيح مع جهله بذلك.
فإنّ هذه المذكورات أسباب لتحقّق مسبّباتها، و وجود المسبّبات مترتّبة على وجودها، و بمحض تحقّق الأسباب يتحقّق المسبّبات، سواء كان المتصدّي عالما أو جاهلا؛ و لذا يقولون لا مدخليّة للعلم و الجهل في ترتّب الأحكام الوضعيّة.
و إن فقد أحد الشروط فهو باطل، لا لجهله بل لأنّه غير مطابق للواقع، فلا