الاجتهاد والتقليد - الكجوري الشيرازي، محمد مهدي - الصفحة ٤٥ - المطلب الثالث في المراد من الحكم الذي يسمّى ملكة اقتدار استنباطه اجتهادا
يكون المراد به الحكم الشرعي الفرعي، فيكون الاجتهاد حقيقة في ملكة اقتدار استنباط الحكم الشرعي الفرعي فقط و مجازا في غيرها.
و يحتمل أن يكون المراد به الحكم الشرعي العملي، أي كان متعلّقا بالعمل؛ سواء كان التعلّق بلا واسطة، كأكثر الأحكام الشرعيّة الفرعيّة؛ أو بواسطة قريبة، كالأحكام الوضعيّة، كنجاسة الملاقي للنجس مثلا، فإنّها يتعلّق بالعمل بواسطة لزوم الاحتراز عن الثوب النجس في الصلاة، أو بواسطة بعيدة، كمسائل أصول الفقه، فإنّ كون الأمر للوجوب يدلّ على كون «اغسلوا» في قوله تعالى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ للوجوب، و هو يدلّ على وجوب غسل الوجه في الوضوء، فتعلّق كون الأمر للوجوب بعمل المكلّف، إنّما يكون بواسطة بعيدة.
هذا، و لكن الواسطة في الأوّل قريبة و في الثاني بعيدة محل نظر و تأمّل كثير.
و على هذا الاحتمال يكون الاجتهاد حقيقة في ملكة اقتدار استنباط المسائل الفقهيّة و الأصوليّة، و مجازا في غيرها، و يحتمل أن يكون المراد به مطلق الحكم الشرعي، سواء كان اعتقاديّا كأصول العقائد أو علميّا، و العلمي سواء كان فرعيّا أو أصوليّا، و يحتمل أن يكون المراد به مطلق الحكم، سواء كان شرعيّا بأقسامه الثلاثة، أو غير شرعي كمسائل الطبّ و النحو و نظائرهما، فيكون الاجتهاد حقيقة في مطلق ملكة الاقتدار على استنباط الحكم، أيّ علم كان.
و الحقّ: هو الاحتمال الأوّل، لتبادر الملكة الخاصّة من الاجتهاد، و لو عند سماعه من وراء الجدار، في عرف الفقهاء؛ فيستفاد أنّه حقيقة في هذه الملكة الخاصّة فقط في عرفهم، لعدم صحّة سلبه عن الملكة الخاصّة و صحّة سلبه عن ملكة الطلب مثلا، فإنّه يصحّ أن يقال: إنّ الطبيب الحاذق ليس بمجتهد، و لا يصحّ أن يقال لمن له ملكة اقتدار استنباط الحكم الشرعي الفرعي أنّه ليس بمجتهد، و هاتان الأمارتان من أمارات الوضع، و احتمال كون التبادر إطلاقيّا و عدم صحّة السلب مجازيّا مدفوع، بأنّ الأصل كون الأوّل وضعيّا و الثاني حقيقيّا.