الاجتهاد والتقليد - الكجوري الشيرازي، محمد مهدي - الصفحة ١٤٧ - المقدّمة الثالثة في أنّه لا ريب و لا شكّ في وجوب تعلّم المسائل
إنّما الكلام في أنّ التعلّم شرط للامتثال، أم لا؟
و بعبارة أخرى: هل التعلّم واجب نفسي أو غيري؟ و يظهر الثمرة فيما لو أتى بالفعل مطابقا للواقع مع عدم التعلّم، فإن كان واجبا نفسيّا امتثل بالفعل في هذه الحالة، لكنّه معاقب على ترك التعلّم، و لا يلزم عليه الإعادة و لا القضاء فيما كان له قضاء؛ و إن كان واجبا غيريّا لم يمتثل بالفعل، و يلزم عليه الإعادة و القضاء، كما هو الشأن فيما إذا ترك الواجبات الغيريّة كالوضوء مثلا بالنسبة إلى الصلاة.
فالغرض من تمهيد هذه المقدّمة أنّ الأصل في التعلّم الذي ثبت وجوبه كونه نفسيّا أو غيريّا، فنقول أوّلا إنّ الواجب إمّا معلوم النفسيّة و مشكوك الغيريّة و إمّا بالعكس أو مشكوكهما.
أمّا في القسم الأوّل، كما في ردّ السلام في الصلاة، فإنّ وجوبه معلوم النفسيّة، إنّما الشكّ في أنّه أيضا مقدّمة لصحّة الصلاة أم لا؟ فنقول فيه: إنّ الأصل بناء على ما اخترناه في الأقلّ و الأكثر الارتباطي من جريان أصل البراءة، فيه كونه نفسيّا لأصالة البراءة عن كونه واجبا غيريّا، و أمّا إن قلنا بأصالة الاشتغال فالأصل كونه غيريّا أيضا، لأنّ الاشتغال بالصلاة ثابت و القطع بالاشتغال يقتضي للقطع بالامتثال، و هو لا يحصل إلّا برّد السلام، فالردّ أيضا واجب غيريّ بالنسبة إلى الصلاة.
و أمّا في القسم الثاني، كالوضوء مثلا، فإنّ كون وجوبه للصلاة معلوم، إنّما الشكّ في أنّه مع ذلك واجب نفسيّ أيضا أم لا، فينتفي الوجوب النفسي بالأصل و هو أصالة عدم تعدّد التكليف.
و أمّا في القسم الثالث، كما لو ثبت بدليل لبيّ وجوب شيء و دار أمره بين أن يكون نفسيّا أو غيريّا، فإن كنّا أصلا اشتغاليّا يسهل الأمر، لأنّا نثبت غيريّة ذلك الواجب الذي يحتمل أن يكون ذلك الواجب مقدّمة له، و ينتفي النفسيّة بأصل البراءة، فإنّ الأصل من تعدّد التكليف أحدهما التكليف الاستقلالي بهذا، و الآخر