الاجتهاد والتقليد - الكجوري الشيرازي، محمد مهدي - الصفحة ٤٢ - المطلب الثاني في أنّ المعرّفين للاجتهاد بالملكة، كلامهم يحتمل احتمالات
التبادر كونه وضعيّا، إنّما هو فيما كان في المقام تبادر واحد فقط، أو شككنا في وحدته و تعدّده، بمعنى أنّا وجدنا تبادرا و شككنا في وجود تبادر آخر، و أمّا نحن فيه ففيه تبادران، أحدهما تبادر القدر المشترك إذا خلّي الاجتهاد و طبعه، و قطعنا النظر عن غلبة الوجود و الاستعمال، و الثاني تبادر الملكة العامّة.
و التبادر الأوّل متأخّر في الوجود عن الثاني، بمعنى أنّ الشخص بعد استماعه الاجتهاد يتبادر له منه أوّلا الملكة العامّة، و بعد التخلية و التأمّل يتبادر منه القدر المشترك، كما في اللحم مثلا، فإنّه إذا استمع أنّ رجلا قال أكلت اللحم أو خذ اللحم أو انظر إلى اللحم مثلا، يتبادر أوّلا لحم الغنم مثلا، لغلبة وجوده، و بعد التأمّل يتبادر القدر المشترك بين لحم الغنم و غيره.
و بعد ما كان المتبادر شيئين، أحدهما في بدو النظر و الثاني بعد التخلية، فلا يخلو إمّا أن يكون التبادران وضعيّين، أو إطلاقيّين، أو أحدهما وضعيّ و الآخر إطلاقيّ، لا سبيل إلى الأوّل للزومه الاشتراك، و لا إلى الثاني لغاية استبعاده جدّا، فإنّهم جعلوا التبادر من أمارات الوضع، و مع ذلك يوجد في مادّة واحدة تبادران، و لا يكون واحدا منهما معلولا للوضع، فلا بدّ من المصير إلى الثالث، و الأمر فيه دائر بين أن يكون تبادر مطلق الملكة وضعيّا و تبادر الملكة العامّة إطلاقيّا أو بالعكس.
و لكن نقول: إنّ التبادر لا يخلو إمّا ينشأ من حاق اللفظ، أو ينشأ من الغلبة، و لمّا كان تبادر مطلق الملكة من حاق لفظ الاجتهاد، و كان الغلبة في جانبه مفقودة، فليكن تبادره وضعيّا و التبادر الآخر إطلاقيّا.
و ثانيا: سلّمنا عدم تبادر القدر المشترك، و أنّ الأصل في تبادر الملكة العامّة كونه وضعيّا، و لكن هذا التبادر معارض بعدم صحّة السلب عن ملكة البعض، و عدم صحّة السلب وارد على التبادر، فليكن التبادر إطلاقيّا، و لا يخفى أنّ تسليم عدم التبادر من باب المماشاة للتسجيل لا لكونه مخدوشا؛ فلا تغفل.
فإن قلت: كما يحتمل أن يكون التبادر إطلاقيّا، كذلك يحتمل أن يكون عدم