اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٢٩ - ٢- الفكر والماركسية
إنّ الماركسية لا يمكنها أن تنكر وجود العقيدة الدينية عند أشخاص لا يمتّون إلى ظروف الاضطهاد الاقتصادي بصلة ، وصلابة العقيدة في نفوس بعضهم إلى درجة تدفعهم إلى التضحية بنفوسهم في سبيلها . وهذا يبرهن ـ بوضوح ـ على أنّ المفكّر لا يستوحي فكره إيديولوجيته ـ دائماً ـ من واقعه الاقتصادي ؛ لأنّ الفكرة الدينية عند أولئك الأشخاص لم تكن تعبيراً عن بؤسهم وتنفيساً عن شقائهم ، وبالتالي لم تكن انعكاساً لظروفهم الاقتصادية ، وإنّما كانت عقيدة تجاوبت مع شروطهم النفسية والعقلية فآمنوا بها على أساس فكري .
ولا تكتفي الماركسية بتفسير الدين تفسيراً طبقياً اقتصادياً ، بل تذهب إلى أكثر من هذا ، فتحاول أن تفسّر تطوّره على أساس اقتصادي أيضاً . فكلّ شعب حين تطوّرت ظروفه الاقتصادية وأتاحت له إقامة مجتمع قومي مستقل ، كانت الآلهة التي يعبدها قومه آلهة قومية لا تتجاوز سلطتها حدود الأراضي القومية المدعوة إلى حمايتها . وبعد أن تلاشت قوميات هذه الشعوب بالاندماج في إمبراطورية عالمية ، هي الإمبراطورية الرومانية ، ظهرت الحاجة إلى دين عالمي أيضاً . وكان هذا الدين العالمي هو المسيحية ، التي أصبحت ديناً رسمياً للدولة بعد مرور [٢٥٠] عاماً على نشأتها . وتكيّفت المسيحية بعد ذلك بالظروف الإقطاعية ، وحين بدأت تتعارض بشكلها الكاثوليكي مع القوى البورجوازية المتنامية ظهرت حركة الإصلاح الديني البروتستانتية [١] .
ونلاحظ في هذا المجال أنّ المسيحية أو البروتستانتية لو كانت تعبيراً عن الحاجات الموضوعية المادّية التي تشير إليها الماركسية لكان من الطبيعي أن تولد المسيحية وتنمو في قلب الإمبراطورية الرومانية الآخذة بزمام القيادة العالمية ،
[١] راجع : لودفيج فيورباخ : ١٠٣ ـ ١٠٥ .