روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان - الشهيد الثاني - الصفحة ٩٩ - النظر الثاني في أسباب الوضوء وكيفيّته
وأنت خبير بأنّ هذه الحجّة ـ مع مخالفة مدلولها للأصحاب ـ إنما تستلزم غَسل ما لا شعر فيه من الوجه ؛ لعدم انتقال الاسم عنه ، لا وجوب غسل ما تحت الشعر الساتر الذي هو المتنازع ، فدليله لا يطابق مدّعاه.
واعلم أنّ الخلاف إنّما هو في وجوب تخليل البشرة التي تحت الشعر الخفيف ، المستورة به ، أمّا ما كان منها مرئيّاً بين الشعر فيجب غَسله قطعاً ؛ لعدم انتقال اسم الوجه عنه.
(و) يجب (غَسل اليدين) مبتدئاً فيهما وجوباً (من المرفقين) بكسر الميم وفتح الفاء وبالعكس ، سُمّيا بذلك ؛ لأنّه يرتفق بهما في الاتّكاء ونحوه (إلى أطراف الأصابع) لما تقدّم في الوجه.
(ويُدخل المرفقين في الغَسل) إجماعاً منّا ومن أكثر مخالفينا إمّا لأنّ إلى في الآية [١] بمعنى «مع» وهو كثير ، كقوله تعالى (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ) [٢] أو لأنّ الغاية تدخل في المغيّا حيث لا مفصل محسوس ، أو لدخول الحدّ المجانس في الابتداء والانتهاء ، مثل بعت الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف.
والوضوء البيانيّ أوضح دلالةً في ذلك ؛ فإنّهُ صلىاللهعليهوآله أدار الماء على مرفقيه مبتدئاً بهما ثمّ قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به. [٣]
وبالجملة ، فوجوب غسل المرفق لا خلاف فيه ، إنّما الخلاف في سبب الوجوب هل هو النصّ؟ كما تقدّم ، أو الاستنباط من باب مقدّمة الواجب بجَعل إلى للغاية؟ وهي لا تقتضي دخول ما بعدها فيما قبلها ولا خروجه ؛ لورودها معهما.
أمّا الدخول : فكقولك حفظت القرآن من أوّله إلى آخره ومنه (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى.) [٤] وأمّا الخروج : فك (أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ) [٥] و (فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ) [٦] وحينئذٍ
[١] المائدة (٥) : ٦.
[٢] آل عمران (٣) : ٥٢.
[٣] أورده الشهيد في الذكرى ٢ : ١٣١.
[٤] الإسراء (١٧) : ١.
[٥] البقرة (٢) : ١٧٨.
[٦] البقرة (٢) : ٢٨٠.