روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان - الشهيد الثاني - الصفحة ٣٦٢ - النظر الخامس فيما به تحصل الطهارة
وذكاء المسك ، وسواد الحِبْر ؛ لمناسبة النجاسة تغليظ الحكم ، وهو الظاهر من كلامه في النهاية [١]. واعتبار الوسط بناءً على الأغلب.
وهل تعتبر أوصاف الماء وسطاً ؛ لاختلافها في قبول التغيّر وعدمه ، كالعذوبة والملوحة ، والرقّة والغلظة ، والصفاء والكدورة؟ فيه احتمال.
وما اختاره الشهيد [٢] رحمهالله أوضح فتوًى وأسلم من تقدير ما ليس بموجود وترتّب الحكم عليه.
واعلم أنّه يستفاد من الحصر المذكور عدم اشتراط الكُرّيّة في الجاري ، كما هو المشهور بين الأصحاب ، بل قال في الذكرى : لم أقف فيه على مخالف ممّن سلف [٣].
وحجّتهم الأخبار عن أهل البيت عليهمالسلام برفع البأس عن ملاقاته للنجاسة من غير تقييد بالكُرّيّة ، كقول الصادق عليهالسلام لا بأس أن يبول الرجل في الماء الجاري [٤]. ولأنّه قاهر للنجاسة غالب عليها ؛ لعدم استقرارها. ولأنّ تعليق الحكم على الوصف يُشعر بالعلّيّة. ولأنّ الأصل الطهارة ، فنستصحب حتى تظهر دلالة تنافيه.
وذهب المصنّف رحمهالله في سائر كتبه [٥] إلى اشتراطها فيه ، فلو كان دون الكُرّ ، نجس كالواقف بمجرّد ملاقاة النجاسة له مع تساوي سطوحه ، ومع اختلافها ما تحت النجاسة أيضاً دون ما فوقها ، محتجّاً بعموم الأدلّة الدالّة على اعتبار الكُرّيّة ، ولا معارض له ، فيجب التمسّك به.
وأُجيب [٦] : بتعارض العمومين ، والترجيح في جانب الشهرة ؛ لما ذُكر ، فيخصّ اعتبار الكُرّيّة بغير النابع.
أقول : في حجّة المشهور نظر ؛ إذ لا دلالة في نفي البأس عن البول في الجاري على عدم انفعال القليل منه بالنجاسة بإحدى الدلالات. والاستدلال بعمومه لو سُلّم فإنّما يدلّ على جواز تنجيسه مع قلّته ، وهو غير المتنازع. ولمعارضته بقول عليّ عليهالسلام نهي أن يبول الرجل
[١] انظر : نهاية الإحكام ١ : ٢٢٩.
[٢] الذكرى ١ : ٧٤.
[٣] الذكرى ١ : ٧٩.
[٤] التهذيب ١ : ٣١ / ٨١ ، و ٤٣ / ١٢١ ؛ الاستبصار ١ : ١٣ / ٢٣.
[٥] تذكرة الفقهاء ١ : ١٧ ، الفرع الثاني ؛ قواعد الأحكام ١ : ٤ ؛ نهاية الإحكام ١ : ٢٢٨ و ٢٢٩.
[٦] المجيب هو المحقّق الكركي في جامع المقاصد ١ : ١١١.