المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٦٨
و هو الذي سهل علم الكلام، و يسره و ذلّله، و كان مع ذلك فقيها، ورعا، زاهدا، جليلا، نبيلا، و لم يتفق لأحد من اذعان سائر طبقات المعتزلة له بالتقدم و الرئاسة بعد أبي الهذيل مثله، بل ما اتفق له هو أشهر أمرا، و أظهر أثرا. و كان شيخه أبا يعقوب الشحام، و لقى غيره من متكلمي زمانه، و كان على حداثة سنه، معروفا بقوة الجدل.
حكى القطان، أنه اجتمع جماعة لمناظرة، فانتظروا رجلا منهم، فلم يحضر، فقال بعض أهل المجلس: أ ليس هنا من يتكلم؟ و قد حضر من علماء المجبرة رجل يقال له صقر، فاذا غلام أبيض الوجه زج نفسه في صدر صقر و قال له:
«أسألك»، فنظر إليه الحاضرون، و تعجبوا من جرأته مع صغر سنه، فقال له: «سل»، فقال: «هل اللّه تعالى يفعل العدل؟» قال: «نعم» قال: «أ تسميه بفعله العدل عادلا؟» قال: «نعم»، قال: «فهل يفعل الجور؟» قال: «نعم»، قال: «أ فتسميه جائرا؟» قال: «لا»، قال: «فيلزم أن لا تسميه بفعله العدل عادلا». فانقطع صقر.
و جعل الناس يسألون من هذا الصبي؟ فقيل: هو غلام من جباء. قيل:
و كان مع علمه حسن التواضع، و سأله بعض المجبرة: «ما الدليل على وعيد أهل الصلاة؟» قال: «الحدود و الأحكام». قال الخالدي: «فان النائب
و له فى الدفاع عن القرآن كلام جميل .. و حكيم، حين رد على من وصف كتاب اللّه بأن فيه تطويلا أو تناقضا. و تكلم فى المحكم و المتشابه كلاما عظيما، و استمرت مدرسته من بعده فى عديد من التلاميذ، فلقد كان هو من الطبقة الثامنة. و امتدت مدرسته حتى شملت القاضى عبد الجبار، و هو من الطبقة الحادية عشرة. كذلك فان له مناقشات مع ابن الراوندى، تبلغ ذروة الامتاع و الايمان، دفاعا عن كتاب اللّه و رسوله. و الدارس المتعمق لمذهبه، يحس قوة فى العقيدة، و ثباتا للايمان. و مما هو جدير بالذكر هنا، أنه ينسب إليه قول مشهور، حيث قال: «إن اللّه محبل النساء» و قد كفره خلق كثير فى هذا القول. و عد فحصى لهذه المسألة عنده، وجدت فى تفسير مذهبه، فيما يتعلق بهذه المسألة. ما يجعلنى أجزم تماما بأنه لم يكن يعنى بقوله: «اللّه محبل النساء» أنه يقوم بهذا الفعل، و إنما أراد أن يقول: إن هذا لا يتم إلا بإرادة اللّه و فعله، و ليس فعله هنا هو الحبل، إنما هو فعل الكينونة «كن فيكون». أى أنه تعالى مريد للفعل أن يتحقق، و ليس معنى هذا أنه يقوم بهذا الفعل، فاللّه إذن محبل النساء لأنه أراد لهن- بمشيئته و قدرته- على الكون هذا، لا بفعله، كما فسره المتكلمون. فأى ظلم ظلموه لأبى على، فى تفسير مذهبه و كلامه، و أى ايمان هو عليه؟ إنه إيمان مطلق لا ريب فيه.